دخلت الاشتباكات التي وقعت بين القوتين النوويتين باكستان والهند في الفترة من 7 إلى 10 مايو 2025 التاريخ كواحدة من أكثر الاشتباكات إثارة للقلق في الثلاثين عامًا الماضية. وأظهرت هذه الاشتباكات الهند كطرف أضعف في مواجهة باكستان على الساحة الدولية. وبعد هذه الاشتباكات، اتخذت الهند خطوات متنوعة لتطويق باكستان دبلوماسيًا واستراتيجيًا. وكان على رأس هذه الخطوات إقامة علاقات مع حركة طالبان التي تدير أفغانستان، والتي لا تعترف بها الهند رسميًا.
الزيارة الأفغانية إلى الهند وتطور العلاقات الثنائية
في اليوم الذي اندلعت فيه الاشتباكات على الحدود الباكستانية الأفغانية، كان وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي في العاصمة نيودلهي في زيارة للهند استمرت أسبوعًا من 9 إلى 16 أكتوبر/تشرين الأول. خلال هذه الزيارة، أعلنت الهند أنها ستقدم مساعدات لأفغانستان في المجال الصحي ومجالات أخرى، بينما دعت أفغانستان الشركات الهندية للاستثمار في استغلال مواردها المعدنية ذات القيمة الاقتصادية العالية. وفي خطوة مفاجئة، أعلنت الهند أنها سترفع مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع أفغانستان إلى مستوى السفارات.
الرسائل السياسية: التعاون المناهض لباكستان
في البيان الصادر بعد الاجتماع بين الوفدين الهندي والأفغاني، تم التأكيد على “مكافحة الإرهاب النابع من دول المنطقة” دون ذكر اسم باكستان، مما يمكن قراءته كرسالة واضحة جدًا عن تشكل محور تعاون جديد مناهض لباكستان بين الهند وأفغانستان. على الرغم من أن باكستان قد استضافت ملايين اللاجئين الأفغان على أراضيها، إلا أن الحكومة الباكستانية بدأت في السنوات الأخيرة إعادة هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم بسبب المخاوف الأمنية والضغوط الاقتصادية.
التأثير الفكري والتاريخي: المدرسة الديوبندية وأثرها
تعود جذور المدرسة الديوبندية إلى المدارس الدينية التي تأسست في القرن الـ19 في مدينة ديوبند بالقرب من دلهي في الهند. مع مرور الوقت، أصبح هذا التيار الفكري مؤثرًا في شبه القارة الهندية وأفغانستان والأراضي التي تشكل باكستان اليوم. أصبحت المدرسة الديوبندية أحد التقاليد الدينية الرئيسية التي شكلت الأساس الأيديولوجي لطالبان. هذا الوضع يثير فكرة محاولات الحكام والبيروقراطيين الهنود التأثير على الأفغان باستخدام الدوائر الديوبندية داخل بلادهم، وهو ما يفسر تصريحات مستشار الأمن القومي الهندي، أجيت دوفال، في عام 2016: “سوف نستخدم طالبان بالطريقة التي نريدها. إنهم يستمعون إلى ديوبند أكثر. سوف نسيطر عليهم عبر ديوبند. إنهم مرتزقة. الهند اقتصاد أكبر بكثير. سنوفر المزيد من التمويل وسيكونون في صفنا”.
التهديدات للأمن الباكستاني: العلاقات الهندية الأفغانية
بالنسبة لإسلام آباد، التي تتهم الهند بدعم حركة “تحريك طالبان باكستان” وجماعات إرهابية أخرى داخل باكستان بالإضافة إلى نزاع كشمير، فإن تطور العلاقات الهندية الأفغانية يشكل تهديدًا لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وتعتبر باكستان أن تحسن العلاقات بين الهند وأفغانستان يحمل أبعادًا إستراتيجية كبيرة، خاصة إذا تم استغلاله بشكل يهدد استقرار باكستان في المناطق الحدودية.
السيناريوهات المحتملة للصراع: بين الحرب الباردة والضغط الدولي
يبدو أن احتمال قيام الهند بتقديم منتجات دفاعية ودعم تكنولوجي لأفغانستان ضئيل، بينما لا يُعتبر خيار الاشتباك العسكري على الحدود بين باكستان وأفغانستان خيارًا مستدامًا بالنسبة لباكستان. من ناحية أخرى، يُعتقد أن باكستان قد تدعم الجماعات المناهضة لطالبان داخل أفغانستان، لكن هذا قد يؤدي إلى خلق بيئة تضر بأمن باكستان أيضًا. وتستمر التوترات بين الدولتين في تعقيد المشهد الإقليمي. قد يؤدي هذا الوضع إلى تحول الاشتباكات إلى حرب باردة بين باكستان وأفغانستان، حيث تقوم كل دولة بتقوية مواقفها عبر حلفائها الإقليميين والدوليين.
دور الصين والمملكة العربية السعودية في الضغط الدبلوماسي
في ضوء الاستثمارات الصينية الكبيرة في باكستان والعلاقات الصينية مع أفغانستان، يتوقع أن تلعب بكين دورًا حاسمًا في منع تحول الاشتباكات إلى حرب شاملة. فقد عبرت الصين عن قلقها البالغ من تصاعد التوتر بين أفغانستان وباكستان وأكدت على أهمية الحفاظ على الاستقرار في المنطقة. هذا التحرك من جانب الصين يتزامن مع المنتدى الثلاثي القائم بين الدول الثلاث، والذي يسعى لتشجيع الحوار والتعاون بين باكستان وأفغانستان. من جانب آخر، فإن المملكة العربية السعودية، التي وقعت مع باكستان اتفاقية دفاع مشترك في سبتمبر/أيلول 2025، قد تضغط على الحكومة الأفغانية لاتخاذ إجراءات ضد حركة “تحريك طالبان باكستان” كجزء من استراتيجيتها للحد من التأثير الإيراني في المنطقة.
المحادثات في إسطنبول: الوساطة والمطالب
تحت رعاية قطر وتركيا، تتواصل المحادثات بين باكستان وأفغانستان بهدف تهدئة التوترات الحدودية المتصاعدة بين البلدين. الجولة الأولى من المناقشات جرت في قطر، حيث كانت الدولتين تسعيان إلى نزع فتيل أزمة الحدود التي أسفرت عن اشتباكات دامية الأسبوع الماضي، أسفرت عن سقوط العشرات من القتلى والجرحى من الجانبين. الجولة الثانية من المحادثات، التي تُعقد حاليًا في إسطنبول، تبحث قضايا أمن الحدود، التعاون في مكافحة الإرهاب، وقضايا اللاجئين.
المطالب الباكستانية: رقابة حدودية وآلية أمنية
من جانبها، طرحت باكستان ثلاثة مطالب رئيسية خلال المفاوضات: إنشاء “نظام رقابة حدودية”، وضع “آلية أمنية قابلة للتحقق”، بالإضافة إلى تأسيس “خلية تنسيق واستجابة مشتركة” للتعامل مع التهديدات الأمنية. هذه المطالب تأتي في وقت حساس بعد تصاعد الاشتباكات على الحدود، وتعتبر باكستان أن تنفيذ هذه المبادئ من شأنه إعادة بناء الثقة بين البلدين. ومع ذلك، حذرت إسلام آباد من أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها الوطنية وأمنها القومي في حال عدم الالتزام بهذه المطالب.
المطالب الأفغانية: سيادة واستقرار
في المقابل، يسعى الوفد الأفغاني إلى تعزيز التعاون الثنائي مع باكستان دون المساس بسيادة كابول ووحدة أراضيها. من بين أبرز المطالب الأفغانية “حل النزاعات الحدودية بسرعة”، “استئناف حركة التجارة”، و”تجنب عمليات الإعادة المبكرة للاجئين الأفغان”. أفغانستان تواجه تحديات متعددة في الوقت الحالي، بما في ذلك تأثير طالبان الباكستانية ومطالبات الأمن الداخلي، مما يعقد المفاوضات.
الضغط الدولي:
مع تصاعد النزاع، يبقى الضغط الدولي هو أحد العوامل المؤثرة في مسار الأحداث. تواصل القوى الكبرى مثل الصين وروسيا التأثير على الوضع الإقليمي. الصين، على وجه الخصوص، تلعب دورًا محوريًا في دعم استقرار المنطقة عبر استثماراتها الكبيرة في باكستان، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي لتوجيه الضغط الدبلوماسي على كابول لضمان تنفيذ تعهداتها في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي. كذلك، تمثل المملكة العربية السعودية، التي تواصل تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لباكستان، عاملًا مهمًا في تأطير سياسة المنطقة، خاصة في ظل سعي الرياض لتقليص نفوذ إيران في أفغانستان.
السيناريوهات المستقبلية:
بينما يظل خيار الحرب المفتوحة بين باكستان وأفغانستان بعيد المنال في الوقت الراهن، فإن استمرارية التوترات على الحدود قد تؤدي إلى تحول الوضع إلى حرب باردة بين الطرفين. في هذا السيناريو، من المتوقع أن يعتمد كل طرف على حلفائه الإقليميين والدوليين لتقوية مواقفه، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي. وفي الوقت نفسه، تظل العلاقات بين الهند وأفغانستان تشكل تهديدًا إضافيًا لباكستان، حيث يمكن أن يساهم تعزيز التعاون بين البلدين في تصعيد التوترات في المنطقة.
على الرغم من الهدنة الحالية، لا يزال النزاع بين باكستان وأفغانستان يواجه تحديات جذرية تتعلق بالنزاع الحدودي المستمر ونفوذ طالبان في أفغانستان. ومع تصاعد المخاوف من أن يؤدي الوضع إلى تصعيد أكبر، يبقى الأمل في أن تساعد الوساطات الدولية، بما في ذلك الدور الأمريكي، في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع التصعيد العسكري. ستظل المفاوضات الدبلوماسية، التي تشمل العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين، أحد أبرز الحلول المحتملة لتحقيق تسوية طويلة الأمد في هذا النزاع المعقد.
اقرا ايضا: بيان الحزب ينسف التفاوض ويؤكد «سلاحنا باقٍ».. والجنوب في عين الغارات الإسرائيلية

