يبدو أن لبنان دخل مرحلة سياسية جديدة بعد الرسائل المتبادلة بين رئيس الحكومة نواف سلاموحزب الله، والتي شكّلت، بحسب المراقبين، بداية انتقال النقاش من إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة. ففي مقابل بيان الحزب الأخير الذي رفض فيه التفاوض مع إسرائيل ووجّه انتقادات مبطّنة إلى الحكومة ورئيسها، جاء ردّ سلام حاسمًا وواضحًا: “قرار الحرب والسلم استردته الدولة، ولا أحد يملكه سواها”، مشددًا على أن حصرية السلاح بيد الدولة باتت مسارًا قائمًا لا رجعة عنه، ولو تطلّب وقتًا وتعاونًا وطنيًا واسعًا.
هذا الموقف، الذي أطلقه سلام من منبر قمة لبنان للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لم يكن تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا بامتياز، إذ أراد من خلاله القول إن مرحلة “الشرعية الموازية” انتهت، وأن الدولة عادت تمسك بمفاصل القرار الأمني والعسكري. وهو بذلك يضع البلاد أمام اختبار جديد: هل يمكن أن تُبنى دولة السيادة في ظل ازدواجية السلاح، أم أن المرحلة المقبلة ستكون بداية مسار تفكيك هذه الازدواجية ضمن خطة تدريجية بدأت من جنوب الليطاني؟
الردّ الأميركي: لا تهديد بعد اليوم
بالتوازي مع مواقف سلام، جاء بيان السفارة الأميركية في بيروت ليزيد الضغط على “حزب الله”، مؤكدًا أن “واشنطن ستمنع الحزب من تهديد لبنان والمنطقة”، في أعقاب إعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على شبكة مالية داعمة له.
البيان، وإن بدا مقتضبًا، إلا أنه عكس تحولًا في لغة واشنطن حيال لبنان، من التحذير إلى الفعل، ومن التصريحات الدبلوماسية إلى سياسة الردع المباشر. وقد تزامن هذا مع دعوة الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف، وخاصة “حزب الله”، إلى التحفّظ عن أي عمل قد يؤجّج الوضع، في إشارة إلى خشية أوروبية متزايدة من أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى منصة توتير إقليمي جديد.
بهذا، بدا المشهد كأن سلام وواشنطن ينطقان بلسان واحد في لحظة دقيقة: الدولة يجب أن تستعيد قرارها، وأي تهديد لهذا المسار سيواجه بالضغط السياسي والاقتصادي وربما بالعقوبات المتصاعدة.
قبلان يدخل على الخط: لا مسّ بحقوق الشيعة
غير أن الموقف الأكثر حدّة جاء من المفتي الجعفري أحمد قبلان، الذي هاجم مشروع الحكومة بشأن اقتراع المغتربين، واعتبره “انتحارًا انتخابيًا”، معلنًا أنه لن يمرّ أي قانون انتخاب يخالف مصالح أهل الجنوب والبقاع والضاحية.”
موقف قبلان حمل في طيّاته رسالة مزدوجة: دفاع مذهبي عن موقع “الثنائي الشيعي” في السلطة، ورفض لأي محاولة لإعادة صياغة التوازنات الانتخابية التي تُترجم لاحقًا في موازين القوى داخل الدولة.
الجنوب يهدأ..والقرار في بيروت
ميدانيًا، عاد الهدوء الحذر إلى القرى الجنوبية بعد أكثر من 7000 خرق جوي إسرائيلي وفق إحصاءات “اليونيفيل”، وكذلك بعد سلسلة من الانذارات والغارات الاسرائيلية أمس، طالت بلدات طيردبا وكفردونين وعيتا الجبل وزوطر الشرقية، فيما يواصل الجيش اللبناني تعزيز انتشاره في منطقة العمليات جنوب الليطاني، تنفيذًا للمرحلة الأولى من خطة “حصرية السلاح”.
وهكذا، من الجنوب إلى بيروت، تتبدّل المعادلة، فبين بيان حزب الله الذي يرفض التفاوض، وردّ نواف سلام الذي يعلن استعادة القرار، وبيان السفارة الأميركية الذي يتوعد بالردع، يبدو لبنان أمام منعطف مفصلي، عنوانه “حق الدولة باستعادة قرار الحرب والسلم”؟
اقرا ايضا: بيان الحزب ينسف التفاوض ويؤكد «سلاحنا باقٍ».. والجنوب في عين الغارات الإسرائيلية

