المرحلة الأولى: الجنوب، النكسة، وسؤال الطبقة الوجودي
لم تكن طفولتي استثناءً عن جيلها؛ جيل وُلد في عام النكسة، وكأن القدر استعجل حضوري شاهداً على هزيمة العرب، لأعتاد مساراً من الحياة المتقلبة والمحمّل بالتجارب. نشأتُ في الجنوب، حيث تتجاور بساطة الفلاح وتُخمة الإسراف، وحيث كانت عيناي تلتقطان التناقض الصارخ الذي سيغدو محور حياتي الفكري.
منذ الطفولة، وفي مدرسة الراهبات بالنبطية، بدأت الأسئلة الكبرى تثقل خاطري، متجاوزة حدود تفكير طفل وُلد في زمن الهزيمة: كيف يغتني الوفر الفاحش على حساب القهر الوجودي؟ أين العدالة وتكافؤ الفرص؟ هذا التفاوت الاجتماعي الصارخ بين طيبة القرية المُكافحة واستعراض المدينة المُتدثّرة بالمال المشبوه.
أتساءل: لماذا أخشى وأهاب مظهراً يشي بثرائه الفج، بينما أجد في أحضان جدتي الفلاحة – في بيتها المتواضع – غُنم الحب والحنان غير المشروط؟ لماذا يطيب لي مجلس الفلاح، فأجد الطعام لذيذاً وكَلَمه عذباً طيباً، في حين يُربكني مجلس مدّعٍ يتباهى بثروة متفاقمة مصدرها غير واضح؟ هذا هو الصراع القيمي الأول الذي وُلدتُ فيه: صراع بين منطق “البركة والكدح” الريفي، ومنطق “التكديس والاستعراض” المديني. وهو صراع يحدد ملامح الإنسانية: إنسانية تبحث عن القيمة الجوهرية (التي وجدتها في بساطة الريف)، وإنسانية تبحث عن المنفعة والمظهر (التي سادت في المدينة).
المرحلة الثانية: أبواب الدير والنظام الصارم وبلورة الهوية
ثم شاءت مآسي القصف والعدوان الإسرائيلي على الجنوب أن يُلقى بي إلى منفى قسري. انتقلت مع زملائي إلى دير سيدة مشموشة في جزين، حيث قضيت خمس سنوات من الانفصال القسري عن الأسرة. ورغم قسوة التجربة، كانت محطة صقلت شخصيتي المتناقضة والحالمة.
إقرأ أيضا: تفكيك حزب الله وحماس.. وليس سلاحهما فقط
في الدير، لم تغب الأسئلة، بل أصبحت أكثر حدة. في هذا المحيط المُعزل، الذي يفرض نظاماً صارماً وحياة داخلية ذات أنماط مختلفة، اضطررت إلى التكيّف، لكنني لم أخضع. هذا التفاعل بين قسوة النظام الخارجي وضرورة البقاء الداخلي ولّد لديّ حس المقاومة والرفض لكثير من المُعتقدات التي أوصلت أصحابها إلى مراكز بالتوسّل والمجاملات والتملّق. بدأت أدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الوعي والمعرفة، لا في الواسطة أو المال.
كانت تجربة الدير بمثابة غربال صفّى شخصيتي الجنوبية من الشوائب، وغرست فيها قيمة الاعتماد على الذات وصدق المواجهة. هذا الإرث الجنوبي المقاوِم، المتمسك بالأرض والقيمة، هو الذي سيُسلّحني لاحقاً في مواجهة تناقضات بيروت وبحر العمل.
المرحلة الثالثة: بيروت، التيه، وصراع الأفكار
خرجت من تجربة الدير إلى بيروت، مدينة الثقافة والحقوق، ميدان الفكر الحر الذي يحوي كل شيء من هجرات فكرية وثقافية وتناقضات غنية. عدت إلى الدراسة في ثانوية الصباح الرسمية، مُتوشّحاً بصفة الثائر على الظلم والاحتلال والقهر.
في بيروت، زادت الأسئلة الكبرى مع كل لقاء، واشتدّ الصراع: عن الصديق والرفيق، عن الأمين والثرثار، عن المدّعي والمصلحي. المدينة بكثافتها الفكرية والثقافية، مثّلت التيه الأكبر، حيث الأفكار تتساقط وتتولد، والقوى تزول وتتشكل، وكل يدّعي أنه الحقيقة المطلقة.
كانت المهمة الأولى هي إعادة البناء من الداخل: إدراك أن الحبيب والأمين والمربي والحكيم هما أمي وأبي، اللذان يمثلان جذر القيمة الريفية الصادقة التي افتقدتها في تناقضات المدينة. أدركت أن الحياة جميلة، لكن علينا نحن أن نختار كيف نراها. استخدمت غربال الذاكرة فلم يقع إلا على أصدقاء الطفولة القلائل، الذين يمثلون معيار الصدق والثبات وسط هذا التيه. هذا الغربال هو الذي حدّد بوصلتي في الجامعة، حيث بدأت أُشكّل هويتي الخاصة الممزوجة بصلابة الجنوب ووعي المدينة.
المرحلة الرابعة: شراهة الحيتان وتحدّي القيمة في بحر العمل
كل هذا قادني إلى العمل، حيث وجدت نفسي وسط بحر وأمواج عاتية؛ ليس سهلاً أن تخوض غمار السباحة وأنت لين العود وقصير النَفَس. هنا، تجلّى الصراع الطبقي والقيمي بأبشع صوره، في مواجهة حيتان العمل.
هذه المؤسسات، التي تتلوّى من احتكاريتها، تُخفي وراء شعارات جاذبة وقيّم إنسانية مزعومة هدفاً واحداً: تكديس الثروة على حساب العاملين. إنهم يريدون عمالهم كآلات صماء تعمل بصمت، مع تغييب للبصيرة الإنسانية والحقوق. يدفعون بالمدير إلى تأجيج المنافسة لتشويه الذاكرة، لا لتشجيع الإبداع، بل لحماية سلطته وتعزيز احتكارات أصحاب المشاريع.
إقرأ أيضا: تزوير شهادات عليا أم شهادة عليا في حق التزوير
هنا يشتد الجدل الفلسفي بين القيمة والمنفعة، بين النظرية والتطبيق. فالعامل، وهو سليل بيئة الجنوب التي تتشبث بالقيمة والأخلاق، يُطلب منه أن يصبح رقماً في معادلة ثراء أسياد المدينة الجدد.
لقد تأخّرت حتى نطقت بصرخة “اللا”. أدركت أن حريتي لا يمكن أن تُمارس إلا إذا كانت حياتي كلها حرة، وهذا ما لا يتفق مع معرفة مقيّدة، ومجتمع متزمت، وأفكار طوباوية. إن النجاة في هذا البحر ليست بالوصول إلى شاطئ الأمان فحسب، بل هي انتصار الحكمة على الشراهة، وإثبات الذات في وجه من لا يرى فيك سوى أداة.
ورغم ذلك، سأصنع رقمي الخاص بجدارة الثائر الشغوف؛ سأحفر بقوة كلمات من فلسفة الحياة ونور الضمير، بطيبة فلاح وعظمة مُعلّم وقلم كاتب، لأظلّ شاهداً حياً على الصراع الطبقي والقيمي الذي شكّل هويتي، وأظل أؤكد أن الإنسانية الحقيقية تكمن في جوهر القيمة، لا في مظهر الثروة.

