السياسة اللبنانية في ظل الصراع الإسرائيلي – الإيراني: المراوحة وإدارة المخاطر

منى فياض

نعاني في لبنان من المراوحة والتهرّب من تنفيذ الاستحقاقات، بحيث يحقّ للمواطن اللبناني أن يتساءل حول السياسات التي كانت تُدار في لبنان، منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، من قبل حزب الله والدولة اللبنانية.

منطق تقليل الخسائر بدل السعي إلى الحسم

يظهر الصراع مع إسرائيل، خصوصاً في الجنوب، بوضوح منطق مبدأ استراتيجي سياسي لدى الأطراف، وهو مبدأ السعي لتقليل الخسائر القصوى بدل السعي وراء انتصار حاسم قد يكون مكلفاً للغاية، أو البحث عن حلول دائمة. وذلك قبل الحرب الأخيرة وتداعياتها وبعدها.

إسرائيل، كدولة صغيرة نسبياً، وكونها دولة معادية وفي صراع دائم مع محيطها، اعتمدت عموماً على الردع المتدرّج والتحكّم التكنولوجي لتجنّب أي تهديد وجودي. هدفت الضربات الاستباقية الدقيقة التي شنّتها إسرائيل على مواقع محددة في الجنوب أو على أهداف مرتبطة بحزب الله، إلى تعطيل قدرة الخصم على تهديدها مباشرة، مع المحافظة على الحد الأدنى من السيطرة دون الانجرار إلى حرب شاملة، التي عادت وحصلت في نهاية الأمر بعد 7 أكتوبر وحرب الإسناد.

إنّ سياسة تقليل الخسائر والمراوحة، حين تصبح قاعدة عامة بدل أن تكون تدبيراً مؤقتاً، تتحوّل من أداة للبقاء إلى آلية لإدامة المأزق ومراكمة الأزمات.

حزب الله واستراتيجية الردع المتبادل

من جانبه، يعتمد حزب الله، المدعوم إيرانياً – على شبكات عملاء وميليشيا متعددة – على إرباك إسرائيل وتوسيع جبهات الضغط. لكنه في الوقت نفسه يضع في حسابه ردود الفعل الإسرائيلية المباشرة. وهذا يوضح التطبيق العملي لمبدأ استراتيجيته في تقليل الخسائر. فهو لم يكن يريد تحقيق نصر كامل تجاه إسرائيل، بل استخدام المرونة والتوزيع الجغرافي والقدرة على المناورة لتقليل الخسائر المحتملة، خصوصاً عندما يكون العدو يمتلك تفوقاً تقنياً واضحاً. وهذا ما سُمّي بالردع المتبادل.

طويلاً كانت النتيجة العملية لهذا النمط من الاستراتيجية في لبنان، الذي سعى فيه كل طرف إلى إدارة خسائره بدل السعي إلى حسم نهائي؛ ترك الجنوب اللبناني دائماً كمنطقة توتّر متذبذب، حيث تم استثمار الموقف السياسي والعسكري في التهديد والردع المتبادل، منذ حرب 2006 حتى الحرب الأخيرة بالطبع.

كان إذن ما سُمّي بالردع المتبادل هو السائد، أكثر من محاولة تحقيق انتصار شامل لأي طرف.

يعتمد حزب الله، المدعوم إيرانياً – على شبكات عملاء وميليشيا متعددة – على إرباك إسرائيل وتوسيع جبهات الضغط. لكنه في الوقت نفسه يضع في حسابه ردود الفعل الإسرائيلية المباشرة.

خلاصة القول، إنّ منطق إدارة المخاطر عند إسرائيل وحزب الله انعكس طويلاً واقعاً عملياً: التحوّط والبقاء في إطار السيطرة وتوزيع المخاطر أهم من تحقيق نصر كامل، وهو ما يفسّر استمرار دائرة التوتّر وعدم القدرة على الوصول إلى حلول نهائية رغم كل الحروب والصدامات.

كل ذلك انتهى بعد عملية “طوفان الأقصى”، وخصوصاً بعد حرب الإسناد، حيث اتخذت إسرائيل سياسة عدوانية متوحّشة تهدف إلى القضاء على أعدائها وفرض استسلامهم.

الدولة اللبنانية بين البقاء والتأجيل

أين الدولة اللبنانية من كل ذلك؟

في السياق اللبناني، سعت الدولة اللبنانية، ولا تزال، إلى الحفاظ على ما تبقّى من مؤسساتها وسط الانهيار. القوى السياسية تتجنّب الانفجار الكامل الذي قد يُسقطها، أمّا القوى الإقليمية فتعتمد بدورها استراتيجيات متبدّلة، تُبقي الأبواب مفتوحة على أكثر من محور، لتجنّب الاصطدام المباشر أو الخروج من اللعبة.

هذه السياسة، حيث تعتمد استراتيجية البقاء بدل استراتيجية الحسم، تُبقي الدولة اللبنانية، حتى الآن، في دائرة الغموض والتأجيل والتكيّف. وهي جميعها أدوات ضرورية لإدارة التناقضات أحياناً، غير أنّ خطورة هذا النمط تكمن في تحوّله إلى سياسة دائمة تُبرّر العجز وتؤجّل المواجهة مع الأسباب الحقيقية للأزمات.

إنّ سياسة تقليل الخسائر والمراوحة، حين تصبح قاعدة عامة بدل أن تكون تدبيراً مؤقتاً، تتحوّل من أداة للبقاء إلى آلية لإدامة المأزق ومراكمة الأزمات.

ونحن الآن غارقون في عمق هذا المأزق، بانتظار أن تحسم السلطات أمرها وتسمح باستعادة الدولة وسيادتها ممن يعبثون بها.

اقرا ايضا: هل يقترب لبنان من مفاوضات مباشرة مع إسرائيل؟ بين الواقعية السياسية وهاجس الاعتراف

السابق
المؤتمر السابع لحركة فتح في لبنان: التنسيق مع لبنان أولويّة
التالي
 أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 20 تشرين الأول 2025