في البدءِ، كانتِ الضيعةُ هيَ الفكرةَ، والكدُّ هوَ العقيدةَ.
من أيقونةِ الزمانِ المفقودِ، تنسابُ سيرةٌ تُشعلُ الحنينَ وتوقظُ الوجدانَ، سيرةٌ لم تُكتبْ بالحبرِ، بلْ بِعَرقِ الجبينِ ورائحةِ الترابِ المُقدَّسِ. إنَّنا لا نروي حكايةَ وطنٍ مُتعَبٍ فحسب، بلْ نُحلِّلُ لُغزَ أمةٍ ارتقتْ بحكمةِ نسائِها، ثمَّ تراجعتْ بِغباءِ زعمائِها.
هنا، في جنوبِ لبنانَ، كانتِ الحياةُ تتجسَّدُ في شخصِ الجدَّةِ أمِّ شريفٍ، التي لمْ تكنْ مجرَّدَ ساكنةٍ في حيّ القلعة ببلدةِ عبّا، بلْ كانتْ بذاتِها فلسفةً مُعاشةً، ومنارةً تُضيءُ صفحاتِ الذاكرةِ. هيَ ابنةُ الكفاحِ المُشرَّفِ، التي وُلدتْ في “مزرعةِ سيناءَ قربَ أنصار”، وفاحَ في عروقِها عبقُ البيلسانِ ونمتْ جذورُ الأصالةِ. كانتْ حياتُها تُبرهِنُ على أنَّ لبنانَ كانَ أحلى بلدٍ لأنَّه كانَ مبنيّاً على قاعدةٍ صلبةٍ: “كلَّ عمرها الناسُ عايشةٌ بكدِّها وتعبِها”. هذهِ وحدَها فلسفةُ اكتفاءٍ ذاتيٍّ مفقودةٌ اليومَ.
زمنُ الضيعةِ: بركةُ الكدِّ ومواسمُ الاكتفاء
كانَ صيفُ الضيعةِ، في زمنِها، ليسَ مجرَّدَ فصلٍ، بلْ فصلاً مُقدَّساً في سيرةِ العائلةِ، فرصةً تُنقَلُ فيها الروحُ منْ سجنِ المدينةِ إلى رحابةِ الحياةِ المُتدفقةِ. كانتْ أمُّ شريفٍ هيَ العقلُ المُدبِّرُ، والمُخطِّطُ الاستراتيجيُّ للحياةِ؛ هيَ التي كانتْ تحملُ أولادَها منْ “أوَّلِ الصيفِ لتشرينَ تَا تَاخُدْهُمْ عالضَّيعةِ يصيِّفوا”، في طقسِ انتقالٍ روحيٍّ، وزوجُها يصعدُ “بالسرفيسِ كلَّ آخرِ جمعةٍ أوْ كلَّ جمعتينِ” حاملاً معهَ حُزمةَ الاشتياقِ.
هناكَ، كانَ الأطفالُ يتحوَّلونَ إلى “أفلامٍ مُتحرِّكةٍ حيةٍ”، يلعبونَ مَعَ السماءِ، يجولونَ مَعَ الأرضِ، يصنعونَ طفولتَهُمْ مَعَ الريحِ، والقفزِ على الصخورِ، والاختباءِ بينَ الحقولِ وتلالِ سنابلِ القمحِ، ويتمرَّغونَ مَعَ القشِّ. كانتْ هذهِ الحركةُ هيَ طفولةَ المودّةِ الأصيلةِ، التي تُشاركُ الأمَّ في كلِّ نشاطٍ، فالمشاركةُ هيَ مُرتكِزُ التربيةِ.
أمّا التلفزيونُ، فكانَ يُعاملُ كـ “ضيفٍ عزيزٍ” لا يشتغلُ إلّا “عالمناسباتِ”، وإذا اشتغلَ، كانَ يجلبُ “٥ محطَّاتٍ”، نُدرةٌ تُركِّزُ القلبَ والعقلَ. وعندما يحلُّ موعدُ العودةِ إلى بيروتَ، كانَ إحساسُ الأولادِ الصادقُ هوَ أنَّهم “تاركينَ الجنةَ ونازلينَ عجهنمْ”.
كانتْ ستُّ البيتِ، كـِ أمِّ شريفٍ، مهندسةَ الاكتفاءِ، تُحوِّلُ خيراتِ الضيعةِ إلى عامٍ كاملٍ منَ الاكتفاءِ الذاتيِّ: “تَسْلُقُ القمحاتِ وتعمَلُ بُرغُلْ، تحوِّشُ الملوخياتِ، تعمَلُ شرابَ البندورةِ”. وكانتْ جلسةُ “تحويشِ الزعتراتِ ودقِّهنَّ هيي والأولادَ”، وطقسُ صناعةِ “الكشكِ على إيدها”، أوقاتَ بناءِ القيمِ والتكافلِ.
وقدْ كافحتْ أمُّ شريفٍ في “أيامِ القحط” لتربيةِ عيالِها منْ وراءِ “بَقرةٍ تبيعُ حليبَها، ومنْ عجلٍ لبناءِ المنزلِ”؛ سيرةُ كفاحٍ تُعلِّمُ أنَّ العزَّ يُبنى بقطراتِ الحليبِ وعرقِ الجبينِ. وقدْ تزوَّجتْ جدي توفيق بعدَ لقائِهِمَا في احتفالِ “الحقلِ والحصادِ في شلبعل”، وكانَ حقُّها منْ جدِّ والدها، السيدِ “علي عجل”، لا مالاً، بلْ أرضاً وأواني؛ أساسَ بناءٍ.
وظلَّ بينَها وبينَ سيناءَ “ارتباطٌ روحيٌّ ووجدانيٌّ عميقٌ”، تجلّى في “المحطَّةِ الشهريةِ” عندَ أخيها الخالِ “أبي معروفٍ”؛ الفلاحِ الأصيلِ الحنونِ الذي كانتْ تفوحُ منهُ رائحةُ “عطرِ البيلسانِ والمحبَّةِ والشوقِ”. لم تكنِ الزيارةُ تباهياً، بلْ تجديداً للأواصرِ التي تبني المجتمعَ.
التحوُّلُ الاجتماعيُّ: لعنةُ الرانجِ وضياعُ البيلسان
لكنَّ كلَّ هذا قدْ تَغَيَّرَ بشكلٍ مأساويٍّ، لا بفعلِ الزمنِ العابرِ، بلْ بفعلِ قفزةٍ اجتماعيةٍ مُدبَّرةٍ هدَّدتْ نقاءَ القريةِ وتاريخَها المَغْموسَ بالقيمِ. فمعَ التطوراتِ العمرانيةِ وهَيمنةِ التكنولوجيا، رُسِمَتْ أنماطٌ جديدةٌ للحياةِ. لقدْ بدأَ التَّفسُّخُ الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ في اللحظةِ التي هيمنتْ فيها الاتكاليةُ على حسابِ التعاضدِ والتكافلِ الذي بنَتْ عليهِ أمُّ شريفٍ عائلتَها.
فسادُ العلاقاتِ الاجتماعيةِ لمْ يَعُدْ مقتصراً على الصراعِ السياسيِّ؛ بلْ تغلغلَ إلى الجوهرِ: صارتِ الزياراتُ العائليةُ “محدودةً” لا بروحِ التراحمِ والتآزرِ، بلْ بإدارةِ المصالحِ ورتابةِ الاستهلاكِ. هَجَرَتْ روحُ التجارةِ والأرباحِ السريعةِ أصالةَ الكدِّ، وأصبحَ الاهتمامُ بالشكلِ قبلَ المضمونِ هوَ السائدَ والرائجَ.
فالنسوانُ اليومَ يُجبرنَ على جلبِ المالِ لـِ “تيابٍ وبوتوكسٍ وخادمةٍ”، وصرنَ يركبنَ “الرانجِ” للمراءاةِ، بينما فقدنَ جوهرَ صنعِ المؤونةِ وحِكمةَ التدبيرِ. وصارَ الأولادُ يكرهونَ الضيعةَ لأنَّ “ما في نتْ”، ويقضونَ وقتَهم معَ “التلفونِ والتابْ” بلا حوارٍ.
إنَّ هذا التحوُّلَ لا شكَّ يُؤثِّرُ على دينامياتِ التطورِ الاجتماعيِّ السليمِ؛ فبدلَ أنْ تنبعَ الطاقةُ البنّاءةُ منْ روحِ الذاكرةِ الأصيلةِ والعميقةِ للناسِ وهيَ تسيرُ في بناءِ العمارةِ والأوطانِ والحضارةِ الإنسانيةِ، أصبحتْ مُستوردةً، هشَّةً، ومُهدَّدةً بالانهيارِ عندَ أوَّلِ أزمةٍ. لقدْ أصبحنا مِثلَ “الغرابِ اللي حَبَّ يقلِّدَ النسرَ وضيَّعَ مِشيتو”، لا هوَ عرفَ أنْ يمشيَ بكدِّ العصفورِ الصغيرِ، ولا هوَ ارتفعَ في سماءِ النسرِ المُنتِجِ.
الخلاصُ للوطنِ المُنهَكِ يكمنُ في أنْ نُحييَ فينا قيمةَ خبزِ الصاجِ وعطرِ البيلسانِ، وأنْ نعودَ إلى فلسفةِ الكفاحِ الأصيلِ لـِ أمِّ شريفٍ التي بنتْ نفسها بـِ “البقرةِ والعجلِ”. فالعبقريةُ في العيشِ بـ “قَدِّنا” لا بـ “قدِّ الدينِ”، والنجاةُ الحقيقيةُ هيَ في استردادِ المضمونِ قبلَ الشَّكْلِ.
اقرا ايضا: جَدَلُ التُربة والوِجدان: من مِحراثِ القَريةِ إلى فَلسفةِ الإصلاح

