«الحزب» بين «ستارلينك» و«البيجر»: ازدواجية في معايير السيادة والاختراق

من يتابع الحملة المنظمة التي تشنّها حسابات محسوبة على “حزب الله” ضدّ رئيس الحكومة نواف سلام، يلاحظ بوضوح أنها ليست مجرّد ردّ فعل سياسي، بل جزء من خطاب تعبوي يسعى الحزب من خلاله إلى حرف الأنظار عن أزماتٍ أعمق تتعلق بموقعه ودوره داخل الدولة اللبنانية.

فاللافت أنّ الهجوم على المصادقة على خدمة “ستارلينك” – التي من شأنها أن تعزز استقلال الاتصالات في لبنان وتحدّ من الهيمنة على الإنترنت – يأتي من بيئة الحزب نفسها، تحت ذريعة “الاختراق الإسرائيلي” و”التهديد الأمني”.

لكن المفارقة أنّ هذه الحملة تتجاهل تمامًا أنّ حكومة نجيب ميقاتي، التي كان الحزب وما زال شريكًا أساسياً في دعمها، هي التي فتحت الباب أمام هذا المشروع منذ أكثر من عام. وإذا صحّ أن عملية المصادقة تمت في تلك المرحلة، فلماذا يُفتح الملف اليوم وكأنه مؤامرة جديدة؟ ولماذا لم يُحرّك الحزب ساكنًا حينها؟

الأغرب أنّ “حزب الله” لم يقدّم للرأي العام حتى الآن كشفًا واحدًا موثقًا عن عملاء أو متورطين في “الاختراقات الإسرائيلية” التي طالما تحدث عنها. لم يُعلن اسمَ شخصٍ واحدٍ، ولا نتائجَ تحقيقٍ واحدٍ، رغم أنّ الوقائع تتوالى منذ سنوات عن تسريباتٍ أمنية وتكنولوجية ضربت عمق مؤسساته.

https://twitter.com/ricardos_lion/status/1975936987631931426?s=46

أين الدولة والقضاء من استدعاء مسؤولي الحزب للتحقيق في هذه الملفات الحساسة؟ ولماذا يظلّ الخطاب الإعلامي موجّهًا فقط ضد مؤسسات رسمية مثل “أوجيرو”، وكأنّها الشيطان، فيما يُصوَّر عناصر الحزب كـ”ملائكة منزّهين عن الخطأ”؟

اللبنانيون تعبوا من هذا التناقض، ومن استخدام لغة التخوين لتغطية العجز أو التواطؤ. فحين يسأل الناس عن كيفية استيراد أجهزة “البيجر” ومن يقف وراء الصفقة المشبوهة، لا أحد يجيب. وحين تُطرح تساؤلات حول علاقات مالية أو اتصالات تقنية مشبوهة، يُردّ عليها بالاتهامات الجاهزة: “عميل، مطبّع، أو مأجور”.

https://twitter.com/loquacious_lb/status/1976042446074282254?s=46

في المقابل، تغيب الشفافية، ويغيب الحسّ بالمسؤولية أمام الرأي العام. فهل المطلوب من اللبنانيين أن يصدقوا بأن كل الخروقات مصدرها “أوجيرو” وحدها؟ أم أن الحقيقة أعقد، وتكمن داخل أجهزة الحزب التي تمددت حتى صارت دولة موازية تراقب وتتحكم؟

إنّ ازدواجية الخطاب لدى “حزب الله” بلغت ذروتها اليوم: يرفع شعار “المقاومة ضد العدو”، لكنه يصمت حين يتعلّق الأمر بمحاسبة الذات أو كشف الفساد داخل منظومته.

الناس تريد الحقيقة، لا الدعاية. تريد دولة، لا تنظيمًا فوق الدولة.

السابق
حزب الله.. وثلاثية «السيادة» و«الدولة» و«العيش المشترك»
التالي
لغز 7 أكتوبر: لماذا تردد «الحزب» ولم يدخل المعركة رغم خطة اقتحام الجليل