في فجرٍ غريبٍ عن فجر غزة، لم توقظ الناس أصوات الطائرات ولا صفّارات الإنذار، بل همساتُ الجيران ووقعُ الخطوات المترددة في الأزقة.
كانت الأخبار تتناقل كأنها نغمة لم يعتدها القلب: “وقف إطلاق النار… الحرب انتهت.”
توقف القصف، وسكن الأنين، وعمّ صمت بدا أثقل من كلّ الانفجارات التي عرفوها. لحظةٌ لم يعرف الغزيون كيف يتلقونها: هل يبكون أم يضحكون؟ هل يشكرون السماء أم يخشون أن تخذلهم مرة أخرى؟
كانت المشاعر في غزة تشبه ليلة العيد، لكنها أعمق، أكثر صدقًا، وأكثر وجعًا.
بعد عامين من النار والنزوح والفقد، خرج الناس من بين الركام، وجوههم مغسولة بالغبار والدموع، وأعينهم تبحث عن ضوء حياةٍ يشبه الفجر الجديد.
الأطفال ركضوا حفاةً فوق ما تبقّى من بيوتهم، يلوّحون بأعلام فلسطين الصغيرة، كأنهم يعلنون ولادة الفرح من تحت الرماد. النساء زغردن في مراكز الإيواء، أصواتهن تخترق الحطام لتقول: نحن هنا… ما زلنا على قيد الحلم.
امتلأت منصّات التواصل الاجتماعي بصور ولقطات حملت من الصدق ما يفوق أي نشرةٍ إخبارية.

شبّان يضحكون بتعب، يهنّئون بعضهم البعض بعبارة بسيطة: “الحمد لله، سكت القصف.”
لكن أحدهم قالها بحذرٍ مؤلم: “بس ما بنصدق إلا لما تمر أيام.”
تلك الجملة كانت تختصر كل شيء، فالغزيون يعرفون أن الهدوء أحيانًا يكون استراحةً مؤقتة للعاصفة.
ما إن أعلنت حركة حماس عن التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف الحرب وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع، وبدء إدخال المساعدات الإنسانية وتنفيذ صفقة تبادل الأسرى. خبرٌ في ظاهره سياسي، لكنه بالنسبة لأهالي غزة كان إعلانًا عن حياةٍ مؤجلة منذ زمن.
خرج الناس إلى الشوارع، لا بحماس المنتصرين، بل بارتياحٍ المرهقين الذين تذوّقوا الموت حتى الإشباع.
كانوا يسيرون فوق الإسفلت المحفور بالقذائف، يتبادلون النظرات أكثر مما يتبادلون الكلمات. فكل نظرة تحمل ما لا يمكن أن يُقال: الحنين إلى من رحل، والخوف من الغد، والرجاء في أن يكون هذا الفجر مختلفًا عن سابقيه.

رغم الفرح الذي غمر الشوارع، كانت ملامح الناس شاهدة على تعبٍ طويل. رجلٌ يبتسم وهو يحمل طفلته التي فقدت أمها، امرأة تمسح دموعها بيدٍ ترتجف، وشاب ينظر إلى السماء كأنه يسألها: “هل انتهى الكابوس فعلًا؟”
إنها فرحةٌ مشوبة بالحذر، كزهرةٍ نبتت في أرضٍ ملغومة، تخشى أن تُدهس قبل أن تكتمل.
يقول أحد النشطاء على مواقع التواصل: “الناس في غزة اليوم مثل أطفالٍ ينتظرون صباح العيد.”
لكنّ العيد هنا لا يحمل الثياب الجديدة ولا الحلويات، بل يحمل وعدًا خافتًا بالأمان.
كتب آخر: “ربنا يعوضنا عن كل هذا الفقدان ويثبت قلوبنا. نريد فقط أن نعيش بسلام، أن نرى غزة تبنى من جديد.”
تلك الكلمات انتشرت بين الناس كأنها دعاء جماعي، فالجميع هنا يتنفس من جرحٍ واحد، ويحلم بحياةٍ عادية، لا أكثر.
المدينة التي كانت تضجّ بأصوات الطائرات صارت اليوم تغرق في صمتٍ مربك. حتى هذا الصمت يوجع، لأن تحته تختبئ الذاكرة الثقيلة: صور الشهداء، أصوات الأطفال الذين غابوا، والبيوت التي لن تُبنى كما كانت. ومع ذلك، يصرّ الناس على التمسك بخيط الأمل الأخير، كأنهم يقولون للعالم: نحن لا نموت، نحن نحيا رغم كل شيء.

من وجع الأمس إلى أمل الغد، تحاول غزة أن تستعيد أنفاسها. الأسئلة تتردد في المقاهي والملاجئ وعلى الأرصفة: هل ستفتح المعابر؟ هل ستصل المساعدات؟ متى سيبدأ الإعمار؟

ربما لا أحد يملك الإجابات، لكن وجود الأسئلة بحد ذاته هو علامة حياة.
يرى بعض النشطاء أن هذا الاتفاق ليس نهاية الحرب، بل نهاية أكثر فصولها قسوة. وأن الطريق نحو السلام لا يزال طويلاً، مليئًا بالشكوك والخيبات.
آخرون يرونها خطوة صغيرة، لكنها كافية لتذكير الناس بأن الشمس يمكن أن تشرق بعد عتمة طويلة.
عامان من الحرب بدوا كقرنين من القهر. أكثر من 67 ألف شهيد، ومئات الآلاف من الجرحى، ودمار طال كل شيء: البيوت، المدارس، المستشفيات، وحتى الحلم نفسه. لكن رغم كل ذلك، ما زالت غزة واقفة.
هي المدينة التي تعلّمت أن تحوّل الرماد إلى حكاية، والخوف إلى صلاة، والدموع إلى بذور أمل.
في تلك الليلة التي بدت كأنها ليلة عيدٍ وأجمل، خرجت غزة من بين الركام تحمل وجعها بيدٍ، وأملها باليد الأخرى، تمشي نحو فجرٍ جديد لا يشبه ما سبقه، فجرٍ تُريد أن تصنعه بنفسها، مهما طال الطريق، ومهما ثقل الثمن.

