الإعتراف بدولة فلسطين .. صحوة ضمير أم تصحيح خطأ أم «تبييض مواقف»؟

يتوالى اعتراف دول العالم والغرب الأوروبي خاصة بدولة فلسطين على قاعدة “حل الدولتين” للصراع العربي – الصهيوني، وذلك بمبادرة من كل من المملكة العربية السعودية وفرنسا عبر مؤتمر “حل الدولتين” المنعقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك مع بداية انعقاد اجتماع الجمعية العامة السنوي.

من لا يملك منح من لا يستحق

يأتي هذا الاعتراف الدولي عموماً والأوروبي خصوصاً والبريطاني على الأخص، بعد 128 عاماً على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا الذي أقر هدف إقامة “وطن قومي لليهود” في فلسطين، بناء على اقتراح مؤسس الفكر الصهيوني ورئيس المنظمة الصهيونية العالمية تيودور هرتزل، و108 سنوات على “وعد بلفور” البريطاني الذي تبنى مقررات المؤتمر الصهيوني، وأكَّد دعم الحكومة البريطانية لتأسيس هذا “الوطن القومي اليهودي” على أرض فلسطين، وذلك عبر رسالة وجهها وزير خارجية بريطانيا يومذاك آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد.

وكذلك بعد 77 عاماً على إقامة هذا “الوطن” على حساب شعب تعرض لظلم كبير وأرض تعرضت لاغتصاب ومصادرة واستيطان غاشم، وذلك عندما منح من لا يملك هذه الأرض إلا بالاستعمار، منحها لمن لا يستحق، حيث كان اليهود يومها لا يمثلون أكثر من 3 إلى 5 بالمئة من سكان فلسطين، فكانت الهجرة الواسعة لليهود إليها بهدف إقامة المستوطنات على أراضيها وذلك عبر “الوكالة اليهودية” التي أُنشئت لهذه الغاية.

فتكوَّنت العصابات الإرهابية الصهيونية وبدأت حملاتها ضد العرب وحتى البريطانيين باسم “التحرير”، فكانت النكبة الفلسطينية المستمرة حتى اليوم بقوة الدعم الأوروبي الغربي ومن بعدها الأميركي لإسرائيل، كما العجز العربي الذي سار بالتوازي مع القصور عن قراءة المتغيرات في السياسة الدولية والتعامل معها بواقعية، ليجتمع العجز إلى الغباء السياسي، فكان الحصاد أربعة حروب مع الدول العربية ما بين العامين 1948 و1973، ومثلها مع لبنان منذ العام 1978 كان آخرها العام الماضي التي خلَّفت نكبة لبنانية كبرى، من دون أن ننسى حروب الضفة الغربية منذ العام 2000، وغزة منذ العام 2007 والتي لا زالت مستمرة عبر حرب “السيوف الحديدية” التي استلها بنيامين نتنياهو رداً على عملية “طوفان الأقصى” منذ عامين، ليُقطِّع بها أوصال غزة والمنطقة بأسرها عبر حروب يخوضها على أكثر من جبهة، غير عابئ بما تخلِّفه من ضحايا وخراب ودمار شاملين على امتداد المنطقة بأسرها، ولا يرى فيها سوى فرصة لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية الأكثر تطرفاً وعدوانية كمثل “إسرائيل الكبرى” التي أعادها إلى التداول مؤخراً بعد أن كانت قد خبت لفترة من الزمن بعد معاهدات السلام التي أقامتها بعض الدول العربية مع إسرائيل قبل وبعد “الربيع العربي” الذي تحول إلى خريفاً تساقطت فيه “أوراق” الدول العربية واحدة تلو الأخرى.

صحوة ضمير أم تصحيح خطأ؟

اليوم وبعد كل التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني على مدى قرن من الزمان، وفي الوقت الذي تبدو فيه الدولة الفلسطينية وكأنها باتت سراباً في ظل التطورات والأحداث الجارية من حرب إبادة في غزة، ومصادرة أراضٍ في الضفة الغربية وتهديد بضمها، نرى دول العالم الغربي تتسابق للاعتراف بدولة فلسطينية هي حتى الآن “افتراضية” – إذا صح التعبير -، ما يدعو إلى التساؤل عن سبب هذا الاعتراف المستحق للشعب الفلسطيني وتوقيته والأهم أسبابه.

هل هو مثلاً ناتج عن “صحوة ضمير” غربية تجاه شعب ذاق الأمرين من ظلم المجتمع الدولي بحيث أنه الشعب الوحيد في العالم الذي ما يزال تحت الاحتلال؟ أم هو تصحيح لخطأ تاريخي ارتكبته الدول الأوروبية بحق الشعب الفلسطيني والمنطقة، تارة بسبب الاستعمار ومصالحه كحال بريطانيا، وأخرى بسبب الثأر من جمال عبد الناصر والعرب لدعمهم الثورة الجزائرية ضدها كما هو حال فرنسا التي وضعت أساس البرنامج النووي الصهيوني، وثالثة بسبب “عقدة الذنب” تجاه اليهود كما هو حال ألمانيا بسبب المحرقة التي ارتكبها النازيون ضدهم، فكان أن “كفَّروا” عن محرقة بالمساهمة في ارتكاب أخرى؟

أو هو بمثابة “غسل لليدين” من دم هذا الشعب الذي بات مصيره اليوم على المحك، أو بتعبير آخر هو “تبييض مواقف” على طريقة تبييض الأموال، يقوم بها الغرب ليقنع نفسه والعالم أنه قام بواجبه وبما يمليه عليه “ضميره” الإنساني؟ هي أسئلة مشروعة وليست نابعة من إيمان بنظرية المؤامرة، بل هي ترجمة لمعاناة عقود وعقود من سياسة جائرة كانت بعيدة كل البعد عن الحس الإنساني الفطري والسليم، ونتحدث هنا عن الحكومات الأوروبية، لأن بعض الشعوب الأوروبية كانت قد وعت مبكراً على مأساة الشعب الفلسطيني أقله من ثمانينيات القرن الماضي وناضلت في سبيل نيل حقوقه، وهو أمر لا يمكن نكرانه أو إخفاءه.

أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً

هذا الكلام بطبيعة الحال لا يعني التقليل من أهمية خطوة الاعتراف التي لا نريد أن ينطبق عليها القول العربي “يطعمكن الحجة والناس راجعة”، بل نأمل أن ينطبق عليها القول الفرنسي “أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً”، لأن هذا الاعتراف هو تثبيت لحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقه في إقامة دولته.

لكن هذا التثبيت والحق بحاجة إلى متابعة ومثابرة من الفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً، وذلك بالعمل على إظهار تمسكهم بأرضهم وبقرارات المجتمع الدولي – ولو كانت غير عادلة كلياً – والعمل بجدية وبأساليب جديدة بعيداً عن اللامبالاة العربية حد الإهمال من ناحية، والعنف العشوائي من ناحية أخرى، الذي كان يسمى زوراً “بالعنف الثوري” الذي تحول إلى انتحار جماعي قادته فئات بعيدة كل البعد عن الهم الوطني والاجتماعي السليم للناس، بل انقادت وراء أوهام أيديولوجية جامدة حد التحجر، فكانت النتيجة نكبة جديدة حلت ولا تزال على غزة وشعبها الذي تحمَّل ولا يزال ما تعجز عن حمله الجبال من قتل ودمار وذل وهوان، في ظل عجز عربي ودولي قاتل ما يدعونا إلى تكرار السؤال الذي سبق وطرحناه في مقالة سابقة: على ماذا تراهن حماس بعد؟

فهل من مجيب؟

اقرا ايضا: ازمة إضاءة «صخرة الروشة» انتهت… بولا يعقوبيان: قرار نواف سلام جريء وصائب…

السابق
بالفيديو والصور: من غروسي إلى نتنياهو.. إيران تعرض «صيدها الثمين» من قلب إسرائيل!
التالي
الرئيس عون دعا أبناء الجالية في نيويورك للمشاركة بالانتخابات.. صوتكم ليس مجرد ورقة بل هو الأمل