صرخة القمر بين طفولة عبا وثورة تشرين

في طفولتي في بلدة عبا، كان خسوف القمر عيداً غريباً. لم نكن ننظر إليه بعين العالم الفلكي، بل بعين الطفل الذي يصدّق أن حوتاً ابتلع القمر. كنا نركض في الأزقة، نحمل التنك واللكن، نقرعها بعصيّ الحديد ونصرخ:

“اترك قمرنا يا حوت، أحسن ما نفقع ونموت”!!

أتذكر أنني هرعت ذات ليلة إلى بيت جدتي في حي القلعة. خطفت “لكن” الألمنيوم من مطبخها، وجعلته طبلاً في المعركة. قرعته حتى فقد شكله، وكأن الحديد نفسه تأثر بصوتي. عاد القمر إلى السماء، لكن جدتي لم تغفر لي “نكبة اللكن”. كانت كلما خسف القمر تصلّي صلاة الآيات، وتذكرني بدعاء طويل، كأنها تطلب لي الغفران من ذنب طفولي عابر.

اليوم حين أستعيد تلك الصورة، أرى أن ما عشناه لم يكن خرافة. كان درساً مبكراً في معنى الصوت الجماعي. كان تعلّماً أن الظلام مهما كان حالكاً، يمكن لجموع صغيرة أن تبدّده بالصوت والإيمان.

الحوت في السماء… والحيتان على الأرض

مرت الأعوام، وتحوّل الحوت من أسطورة في السماء إلى حقيقة على الأرض. في تشرين 2019، عاد الضجيج نفسه، لكن هذه المرة من شرفات بيروت وصيدا وطرابلس وصور والنبطية وبعلبك . الطناجر نفسها التي كنا نقرعها لتحرير القمر، صارت تُقرع لتحرير الوطن من حيتان المال والسياسة.

كان المشهد امتداداً لذاك الطقس الشعبي القديم، لكنه أعمق وأكثر وجعاً. فالقمر الذي ابتلعه الحوت في طفولتنا كان يعود دائماً إلى السماء، أما وطننا الذي ابتلعته الحيتان الأرضية، فلا ضمان لعودته إن صمتنا.

دورة النور والظلام

خسوف القمر يذكّرنا أن العتمة جزء من دورة الكون، وأن النور لا يغيب إلا ليعود. لكن الحوت الذي يبتلع الإنسان وكرامته لا يفكّ أسنانه إلا إذا دوّت الأصوات معاً.

حين أسمع اليوم أزيز الطناجر في ذاكرتي، أشعر أن الطفولة وتشرين كانتا حلقتين في سلسلة واحدة. الأولى علمتني أن الصوت الجماعي يعيد النور إلى السماء. الثانية أكدت لي أن الصوت نفسه قادر أن يستعيد النور إلى الأرض.

“اترك قمرنا يا حوت”… صرخة لم تعد حكاية طفولة. صارت وعداً أن الليل، مهما طال، لا يملك أن يحجب القمر، ولا أن يخنق صوت الشعوب إذا قررت أن تُسمع.

اقرا ايضا: الغارة الإسرائيلية على قطر: رسائل نارية تتجاوز الدوحة.. ولبنان في قلب العاصفة

السابق
ورقة الـ5 ملايين ليرة لبنانية إلى السوق قريباً؟
التالي
عون: مكافحة المخدرات أولوية وطنية… وضبط 8 ملايين حبة كبتاغون في الشمال