تراتيل العزلة: مناجاة الذات عن البيئة والشفاء

وفقاً للأبحاث العلمية إن قضاء 48 ساعة فقط في الطبيعة بإستكشافها والتأمل بها، ذلك يخفف من التوتر والإرهاق.

خلف هذا الباب الموصد في مركز الإيواء، ينحسر العالم الخارجي بصخبه وأهواله، لتبدأ مناجاتي الذاتية المحجوبة عن الأعين. هنا، في مملكة هذه العزلة الموحشة، أقف وجهاً لوجه أمام مرآة روحي المنكسرة، أستنطق أغوارها في حوار صامت وكينوني: كيف لروح تآكلت بهجير الصراعات المدمرة أن تعيد ترميم تصدعاتها الداخلية؟

أنظر إلى كفيّ القابضتين على القلم، فأبصر فيهما بقايا غبار استحال رماداً؛ غبار عصف ببلدتي الوادعة، فطمس معالم الطفولة النضرة، وتقوضت معه حوائط الدار التي كانت يوماً وعاءً لضحكاتنا المنسية، وتبعثر تاريخ مكتبة والدي وتراثها الثمين شذراتٍ بين زجاج مهشم. في غابر الأيام، كنت في الصيف أشكو لفح هجيره، وفي الشتاء ألوذ من صقيعه بجدار، والآن… صرت ألوذ باللاشيء. أعيش قلقاً سرمداً يمتد في أفق مرتبك، وشتاتاً يمزق الهوية ويمعن في تفتيتها، رافعاً صلوات ومناجيات بحروف تقطر حزناً غارت في عتمته ابتسامة الأمس. ولكن، وسط هذا الانهيار العاصف بكل شيء، لماذا أصر على امتشاق الكتابة؟ إنني أكتب لأثبت لنفسي أولاً، قبل الآخرين: “أنا هنا، إذن أنا ما زلت حياً”.

ولكن، هل تكفي أبجدية الحبر وحدها لبلوغ الشفاء الكامل؟

هنا يتوقف قطار هذا الحديث الذاتي، متأملاً في عمق الجرح الوجودي الغائر. أهمس لروحي المتعبة في دياجير نجواي: تأملي هذا الملاذ المؤقت جيداً. إن الروح حين تُنهك وتمرض، تبحث غريزياً عن طوق نجاة يعيد لها توازنها. لكن الثابت في فلسفة الوجود والتعافي، أن البيئة التي كانت سبباً في اعتلالك، مستحيل أن تكون هي ذاتها مصدراً لشفائك!

كيف للمكان الذي سكب في وريدك الخوف، والهروب، واللؤم، أن يمنحك السكينة والطمأنينة؟ إن البقاء في ذات البؤرة الملوثة بالألم، طمعاً في برئها، ليس إلا ضرباً من الوهم وسراباً خداعاً. كان لا بد لي من هذه الخطوة إلى الوراء. كان لا بد من هذا الباب الموصد، لا فراراً من المواجهة، بل إعلان هدنة واعية مع الذات، وإعادة تنظيم للمحاور والمسارات الداخلية.

أحتاج هذه العزلة لأفصل كينونتي عن سياق الفاجعة المستمرة. أحتاجها لأعيد ترتيب حساباتي وتضميد جراحي النازفة بعيداً عن غبار المعارك الحارق. حتى لو فرضت عليّ الأيام، أو اخترت أنا بكامل إرادتي، أن أعود يوماً إلى تلك البيئة القاسية، فلن أعود إليها بذات الروح الهشة والمنكسرة التي غادرتها. سأعود محصناً بالوعي الشفيف، معافى من الصدمة، عارفاً بكيفية التعامل مع سمومها دون أن أدعها تتسرب إلى سويداء قلبي مجدداً.

لذا، فليقولوا عني منعزلاً، أو وحيداً، أو غريباً… ففي بعض الأحيان، تكون الرغبة في الانفراد بالذات وبث الشكوى في هذا الحديث الداخلي هي أسمى درجات الوعي، والخطوة الحقيقية الأولى في رحلة البعث، والنهوض، والشفاء.

أنا هنا… وراء الباب… أنزف حبراً لا دماً، لأصنع من موتي المؤقت حياة جديدة تنبض بالخلود.

السابق
الخارجية الإيرانية: على أميركا الالتزام بتعهداتها بإنهاء الحرب في كافة الجبهات بما فيها لبنان