الغارة الإسرائيلية على قطر: رسائل نارية تتجاوز الدوحة.. ولبنان في قلب العاصفة

الغارة الإسرائيلية على حماس في قطر

شكّلت الغارة الإسرائيلية على قطر حدثًا استثنائيًا في ميزان الصراع العربي – الإسرائيلي. فاستهداف الدوحة، المعروفة بدورها الوسيط في ملفات غزة والأسرى، تجاوز إطار “العمل العسكري” ليلامس جوهر المعركة السياسية الدائرة حول مستقبل الحرب والسلام في المنطقة. وإذا كان هذا التطور قد فجّر إدانات عربية واسعة، فإنه في لبنان أخذ بعدًا مضاعفًا، نظرًا لتقاطعه مع ملفات داخلية شائكة، أبرزها سلاح “حزب الله”، خطة الجيش، وإعادة ترتيب العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية.

خلفيات الضربة ورسائلها

لا يمكن قراءة الغارة الإسرائيلية بمعزل عن الدور القطري في مفاوضات غزة. فالدوحة، إلى جانب القاهرة وواشنطن، كانت تقود الجهود لانتزاع وقف نار دائم وصفقة تبادل للأسرى. هذا الدور لم يكن يروق لإسرائيل التي اعتادت أن تتحكم بمسار التفاوض وأن تفرض شروطها الأمنية والسياسية.

استهداف قيادات من “حماس” على الأراضي القطرية، وفق الرواية الإسرائيلية، ينطوي على رسالتين، أولها نسف الوساطة القطرية عبر إحراج الدوحة وإظهارها كعاجزة عن حماية ضيوفها والمفاوضين على أرضها، وثانيها، ردع الأطراف الإقليمية الأخرى – من مصر إلى لبنان – بأن أي محاولة لتكريس موقع تفاوضي أو سياسي خارج الإيقاع الإسرائيلي ستواجه بالقوة.

إذن، قطر لم تُستهدف بصفتها دولة فقط، بل بصفتها “الممر الإجباري” لأي تسوية ممكنة في غزة، وهذا ما يجعل الغارة سابقة خطيرة في سياق الحرب المفتوحة.

ثاني الرسائل، ان تداعيات الغارة لم تتوقف عند حدود قطر. فهي مرشحة لفتح فصل جديد من التوتر في الخليج. فإيران، التي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، قد تنظر إلى الاستهداف كرسالة إضافية موجهة إليها، خصوصًا أنّها كانت تراهن على الدور القطري لإيجاد مخرج تفاوضي يحفظ جزءًا من مصالح حلفائها في غزة.

والسعودية، التي تتحرك في اتجاه دعم لبنان وضبط الاستقرار، وجدت نفسها مضطرة لإعادة تقييم الموقف. فإذا كانت قطر مهددة بهذا الشكل، فإن أي انخراط سعودي مباشر في ملفات حساسة قد يُواجه بتصعيد مماثل.

المشهد العربي الأوسع بدا وكأنّه في مواجهة اختبار، هل يمكن للأنظمة الرسمية أن تتحرك دفاعًا عن سيادة دولة خليجية شقيقة، أم أن المواقف ستظل في إطار الإدانات اللفظية؟

الرسالة الإسرائيلية الواضحة هنا، وهي ان لا منطقة محمية من تداعيات الحرب على غزة، ما يعني أنّ ساحات مثل لبنان وسوريا ليست خارج الحسابات.

لبنان داخل المشهد

والرسالة الثالثة تضع لبنان في داخل المشهد، فقد جاء وقع الغارة في لحظة شديدة الحساسية. فالمشهد الداخلي كان يشهد انفراجًا نسبيًا عبر عودة التنسيق بين الرئاسات الثلاث، وفتح خطوط تواصل بين الحكومة و”حزب الله”. كما أنّ خطة الجيش لحصر السلاح غير الشرعي كانت تدخل حيّز التنفيذ التدريجي.

لكن الغارة حملت ثلاث إشارات مقلقة:

1. أن الاستقرار اللبناني هش وقابل للاهتزاز، فإسرائيل التي لم تتردد في ضرب الدوحة قد تعود لتوجيه ضربات داخلية في لبنان، سواء بذريعة “حزب الله” أو تحت عنوان الردع الاستباقي.

2. أن أي دور لبناني في الملف الفلسطيني سيكون مراقبًا بدقة، وبالتالي فإن بيروت قد تُمنع من أداء دور وسطي أو تفاوضي، حتى ولو بشكل غير مباشر.

3. أن التوازنات الداخلية اللبنانية مهددة، إذ إنّ “حزب الله” قد يستثمر في العدوان على قطر لتأكيد وجهة نظره بأن إسرائيل لا تفهم إلا بلغة القوة، فيما الحكومة تحاول التمسك بخيار الدولة والجيش.

الموفدان السعودي والفرنسي في اختبار

تزامن الغارة مع اقتراب وصول الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان والموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت وضع لبنان أمام معادلة معقدة:

الموفد السعودي يأتي بمهمة دعم الاستقرار وضبط التوازن الداخلي. لكن كيف سيتحرك في ظل رسالة إسرائيلية حادة قد تفسَّر على أنها تحذير من أي انخراط خليجي أكبر؟

الموفد الفرنسي يحمل مشروعين: مؤتمر دعم الجيش ومؤتمر إعادة الإعمار. لكن فرنسا، التي لا تزال تراهن على دور وساطة، تجد نفسها أمام تحدٍ: كيف تحافظ على موقعها التفاوضي في ظل استهداف مباشر لدولة بحجم قطر؟

إذن، لبنان سيستقبل الموفدين تحت ضغط إقليمي مضاعف، ما قد يُعيد رسم جدول الأعمال الداخلي والخارجي.

خامسًا: السلاح وخطة الجيش

الغارة أعادت تسليط الضوء على الملف الأكثر حساسية في لبنان: سلاح “حزب الله”. فالرئيس نواف سلام، في حديثه الأخير، شدّد على أنّ الحكومة ملتزمة بالبيان الوزاري الذي ينص على “حصرية السلاح بيد الدولة”. لكن، عمليًا، فإن ما جرى في قطر يعطي “حزب الله” ذريعة جديدة للتشبث بسلاحه تحت شعار أنّ “إسرائيل لا تحترم سيادة الدول”.

في المقابل، فإنّ الجيش اللبناني الذي يستعد لتنفيذ خطته يحتاج إلى غطاء سياسي ودعم خارجي. وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن إقناع “حزب الله” بالتجاوب مع الخطة فيما الوقائع الإقليمية تعزز منطقه الأمني والعسكري؟

من زاوية أخرى، أعطت الغارة دفعة إضافية لمسار إعادة التنسيق بين بيروت ودمشق. فملفات النازحين، والموقوفين السوريين واللبنانيين، والتعاون القضائي، كلها تعود إلى الطاولة. وفي ظل استهداف قطر، يبدو أنّ لبنان سيضطر إلى تعميق تحالفاته الإقليمية لمواجهة أي ضغط خارجي محتمل، ما قد يفتح الباب على نقاش جديد حول حدود العلاقة مع سوريا وإيران.

لبنان أمام مفترق طرق

في ضوء كل ما تقدم، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لتأثير الغارة الإسرائيلية على قطر في الداخل اللبناني:

1. سيناريو التصعيد: حيث تعمد إسرائيل إلى توسيع نطاق ضرباتها ورسائلها، ما ينعكس مباشرة على الجنوب اللبناني ويعيد التوتر إلى الواجهة.

2سيناريو الاحتواء: حيث تتحرك فرنسا والسعودية لضبط الموقف، وتستثمر الغارة كحافز لتسريع التفاهمات اللبنانية – الداخلية والخارجية.

3. سيناريو المراوحة: حيث يبقى لبنان في موقع المتأثر لا الفاعل، بانتظار مآلات الحرب في غزة ونتائج الوساطات.

الغارة الإسرائيلية على قطر لم تكن مجرد حادث عابر، بل جزءًا من استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة رسم حدود النفوذ في المنطقة. وبالنسبة إلى لبنان، فإنّ الخطر لا يقتصر على التهديد العسكري بل يمتد إلى البنية السياسية الهشّة، التي قد تجد نفسها أمام ضغوط إقليمية ودولية متناقضة.

يبقى السؤال: هل يملك لبنان القدرة على تحصين ساحته الداخلية عبر التفاهم بين الرئاسات الثلاث وتفعيل خطة الجيش، أم أنّه سيظل عرضة للرياح العاتية التي تهب من غزة إلى الدوحة، مرورًا بالجنوب اللبناني؟

اقرا ايضا: بين الدوحة وبيروت.. معركة السيادة والقوة في قلب الشرق الأوسط

السابق
«اليازا» تحذر من فوضى الدراجات النارية.. قتيل على الأقل يوميا
التالي
سناء شامي.. في تقريظ  كتاب «دين العقل وفقه الواقع» للدكتور عبد الحسين شعبان