حين تنكسر المرآة: الإنسان في مواجهة الطبيعة

“ما لم يتعلّم الإنسان احترام الطبيعة والتواصل مع الكائنات، فلن يفهم يومًا دوره الحقيقي على هذه الأرض.”

عدتُ إلى لبنان بعد أكثر من عشر سنوات في الاغتراب، محمّلًا بشوق إلى الجنوب، إلى صور الطفولة والبحر الذي كان يحتضن الصيادين والزائرين. لكن المشهد على الطريق من المطار إلى بلدتي كان كفيلًا بتحويل الحنين إلى صدمة: جبال من النفايات تتكدّس على أطراف الطرق، نهر الليطاني الذي كان شريان حياة أصبح مجرى سامًّا، والبحر الذي كان يلمع كمرآة تحوّل إلى مكبّ للمجارير. وفي الجنوب ما زالت آثار الحرب شاخصة: أشجار محروقة، بيوت مدمّرة، ووديان محاصرة برائحة البارود. الأرض تصرخ، لكن آذاننا صمّاء.

هذه ليست تفاصيل عابرة، بل علامة على علاقة مأزومة بين الإنسان والطبيعة. نحن لا نعيش خارجها، بل نحن منها وبها. نتنفس من رئتها الخضراء، نشرب من شرايينها المائية، ونبني حياتنا من عطائها. ومع ذلك، ما زلنا نقطع الغابات، نلوّث الأنهار، ونخنق البحر. كأننا نقطع الشجرة التي نجلس تحت ظلها.

الاعتماد المتبادل: الإنسان ليس سيدًا للطبيعة

الإنسان خلية في جسد الأرض، مرتبط بها في كل تفاصيل بقائه. الأشجار تمدنا بالأوكسجين، المياه العذبة تحفظ حياتنا، النباتات دواءنا، والحجارة مأوانا. لكن مقابل هذا العطاء، كان الردّ: هواء مسموم، أنهار محمّلة بالسموم، وبحار تختنق بالمجارير.

الطبيعة لا تنطق بلغة البشر لكنها تفهم لغة الاحترام. الحيوانات ليست أقل شأنًا، بل شركاء في دورة الحياة. حين يُنهب جبل بمقالع عشوائية، لا تسقط الأشجار وحدها، بل تنهار أعشاش الطيور وتُشرد الحيوانات. وحين يُلقى الصرف الصحي في البحر، لا تُقتل الأسماك فقط، بل يختنق نظام بيئي كامل ويصاب الإنسان بالسرطان.

من يراقب السلوك الحيواني يتعلم التنظيم، الوفاء، العمل الجماعي، وحتى الحزن. فلماذا لا نحترم كائنات تعلّمنا دون أن تتكلّم؟

لبنان نموذجًا: الطبيعة تصرخ..من يسمع؟

الليطاني، رمز العطاء الزراعي، تحوّل إلى رمز للتسمم. مياهه الملوّثة تقتل الأسماك، تدخل إلى المزروعات، وتصل إلى موائد الناس. تقارير طبية ربطت مباشرة بين مياهه وبين ارتفاع معدلات السرطان في البقاع والجنوب.

المكبات العشوائية صارت جبالًا قاتلة. من برج حمود إلى الكورة وعكار والناعمة وصيدا والنبطية…، النفايات تُحرق فيتحول دخانها إلى سموم يتنفسها الأطفال، أو تُترك لتتسرب إلى المياه الجوفية.

وعلى الساحل، البحر لم يعد وجهة للسباحة بل محطة لتصريف المجارير. وما النتيجة: صيد يتراجع، سياحة تنهار، وبحر يحتضر.

الطبيعة مرآة الإنسان

حين تنكسر الطبيعة، تنكسر فينا الإنسانية. أمراض مزمنة، سرطانات، تلوّث ماء وهواء، تصحر، وانقراض أنواع كاملة. إنها ليست أزمة بيئية فقط، بل أزمة إنسانية في العمق.

ما العمل؟..بين الدولة والمجتمع

الحل يبدأ بإرادة سياسية حقيقية:

▪︎ إنشاء محطات لمعالجة الصرف الصحي.

▪︎ وقف المقالع والكسارات العشوائية.

▪︎ سنّ قوانين بيئية صارمة وتطبيقها.

▪︎ دعم الزراعة النظيفة والطاقة المتجددة.

لكن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، على المجتمع أن يفرز النفايات من المصدر، ينظّم حملات تنظيف، ينشر الوعي البيئي، ويدعم المنتجات العضوية المحلية.

إعادة كتابة العلاقة مع الأرض

لبنان لا ينقصه الجمال ولا الموارد، ينقصه الاحترام. حين يدرك الإنسان أن بقاءه مرهون ببقاء شجرة، وأن صحته تبدأ من نظافة نهر، وأن كرامته مرتبطة بكرامة بحر، عندها فقط تعود المرآة لتلمع.

احترام الطبيعة ليس ترفًا، بل شرط للبقاء. وبدونه، لن نفهم يومًا من نكون، ولا لماذا نحن هنا.

السابق
عن إرث «حسن الرفاعي» وأزمات لبنان..هل من حلول لتفسير الدستور؟
التالي
لا ميثاقية لخاسر…