مع تأجيل الاجتماع العسكري(اللبناني- الاسرائيلي- الاميركي) الى موعد غير محدد، وهو الذي كان مقررا للتحضير لانتشار الجيش وحده في “المناطق التجريبية”، هل نتسرّع اذا قلنا “من جرّب المجرَّب كان عقله مخرّبا”، والمجرّب المقصود هنا هو اسرائيل وحزب الله؟
أكثر المعارضين لفكرة “المناطق التجريبية” بحجة انها “تجرّب” الاتفاقات بأهل الجنوب، هم في الواقع الذين حوّلوا لبنان كله إلى حقل تجارب فأدخلوه في الحروب وعبثوا بحدوده ودستوره واقتصاده وعلاقاته الخارجية وبالتوازن الهش بين مكوّناته.
اسرائيل غبر مستعجلة للانسحاب من “المناطق التجريبية”، وهي تستفيد من كل دقيقة لهدم المزيد من المنازل وجرفها. وحزب الله ينتظر تعليمات ايران المرتبكة بعد انهيار تفاهم اسلام آباد. الفريقان لديهما متسع من الوقت ولا مشكلة بالنسبة اليهما في تأجيل الاجتماع العسكري.
ضرورة عودة أهل الجنوب
بالمقابل، كل ساعة تأخير في عودة اهل الجنوب الى “المناطق التجريبية” وفي توفير الحد الأدنى من الطمأنينة لهم للعيش بسلام تحت سماء ارضهم، هي سادية مطلقة تجاههم، لا يبررها أخلاقيا لا اعتبارات لوجستية ولا استراتيجية. فهم ينتظرون الخبر السعيد على أحر من الجمر.
ماذا عن موقف الجيش اللبناني، اي الطرف الموكل اليه الانتشار في “المناطق التجريبية”؟ بعد تجربته الفاشلة في الانتشار جنوب الليطاني على اثر اتفاق وقف إطلاق النار سنة ٢٠٢٤، رغم إعلان قيادته عكس ذلك، هل نتوقع منه الانحياز إلى مصلحة الناس التواقة الى الأمن والسلام، لا سيما انه المؤسسة شبه الوحيدة من بين مؤسسات الدولة التي تحظى فعلا بثقة “البيئة الشيعية” والتي لا يجرؤ حتى حزب الله على التشكيك بها علناً، فله من بين قياداتها وعناصرها الكثير من مؤيديه؟ هل هو من ساهم أيضا في تأجيل الاجتماع العسكري بإنتظار زيارة الرئيس عون الى واشنطن او لأسباب أخرى؟
البشر يتعلمون من التجربة الحية وليس من الوعظ او من الأفكار الجامدة والوعود الكاذبة. وليس لدى المواطنين الجنوبيين ترف انتظار قرار اسرائيل بالانسحاب الكامل، حتى يبدأون بالعودة التدريجية الى بلداتهم وقراهم. مسؤولية الجيش اللبناني ان يلاقي، بدون مماطلة، رغبة الجنوبيين العارمة في العودة، وان يضع يده بيدهم، لينتجوا معا تجربة ناجحة في العيش بكرامة وأمان على أجزاء من ارضهم.
التعاون يخلق واقعا وطنيا
لا أحد يعوّل على اسرائيل بالانسحاب الطوعي، ولا على قدرة حزب الله على اجبارها على الانسحاب القسري. المقاربة الوحيدة الممكنة هي تلك التي تعتمد على تجربة التعاون بين الشعب والجيش برعاية الدولة، ولو في مناطق تجريبية محدودة حتى الآن. ولعل ما يمكن ان تولّده علاقة التعاون هذه، هي ان تخلق واقعا وطنيا جديدا، يتوسع مع الوقت، ليشمل كامل أرض الجنوب.
فالتجربة التي لم نختبرها بعد، كلبنانيين، في مواجهة الاحتلالات، هي المتأتية من التعاون بين الشعب والجيش برعاية الدولة. فقد جرى حرماننا منها منذ حرب ١٩٧٥، وقد شوّهت ومُسخت بشعار “شعب، جيش، مقاومة”، في العقود الأخيرة، اذ جرى في الواقع تهميش الجيش والشعب معاً.
لا شك ان تجربة التعاون بين الشعب والجيش برعاية الدولة، والتي توفرها “المناطق التجريبية”، تخيف حزب الله. ولا شك أيضا ان نجاحها وتوسّعها بالتوازي مع نمو الوعي الوطني ضد الاحتلال، سيخيف اسرائيل.
فلنجرّب هذا التعاون على حساب مصالح اسرائيل وحزب الله معاً. فلقد جرّب شعبنا كل ما جلب له الويلات والنكبات، وربما- واكرر ربما، فالحكم يبقى للتجربة- حان الوقت ليجرّب ما يتوافق مع مصلحته الوطنية.

