على مدى عقود، عايشت ما يحصل في لبنان بتجربة المتابع المرهق، ورغم ذلك ما زلت أندهش من حجم التأثيرات الأجنبية في أرضنا الهشة. الولايات المتحدة اليوم، وبعد سنوات من التدخلات المتقطعة، لا تتعامل مع لبنان كشريك، بل كرقعة شطرنج تدير عليها مصالحها وحساباتها وخططها في الإقليم.
ظاهريًا، تبدو الدوافع الأميركية واضحة؛ مبعوثون يتنقلون بين بيروت والقدس والعواصم الأوروبية في محاولة لتفادي اندلاع حرب شاملة بين لبنان وإسرائيل. كما تستمر واشنطن بضخ الأموال؛ ٩٥ مليون دولار مساعدات عسكرية للجيش اللبناني مؤخرًا، وأكثر من ٣ مليارات دولار منذ ٢٠٠٦ ضمن حزمة إجمالية تقارب ١٠ مليارات دولار. هذه المساعدات تحافظ على الحد الأدنى من صمود المؤسستين العسكرية والأمنية، بينما تتشدد العقوبات الأميركية على شبكات التمويل المرتبطة بحزب الله.
القلعة الأميركية في عوكر
لكن خلف هذه الصورة “الخيرية”، ثمة واقع أثقل: فمثلًا، السفارة الأميركية التي يتم بناؤها بهذا الحجم الضخم ليست مجرد مكاتب إصدار تأشيرات أو إدارة برامج مساعدات، بل تشير إلى تأمين وجود دائم ومراكز للتنسيق الاستخباراتي والعسكري، ومنصات للتدخل في دول المتوسط وشرق أوروبا.
من الممكن اختصار مشهد تلك السفارة الضخمة، على مساحة 175 ألف متر مربع وبميزانية 1.3 مليار دولار، كمشروع ترسيم طويل الأمد للحضور الأميركي في لبنان. تُعتبر السفارة الأميركية الجديدة التي يتم بناؤها حاليًا في لبنان ثاني أكبر سفارة في العالم بعد سفارتها في بغداد.
تعلمت من خبرتي الطويلة في أميركا الشمالية أن القوى الكبرى لا تأتي إلى البلدان الصغيرة بدوافع خيرية مجردة. فمن المؤكد أن الولايات المتحدة تسعى لكبح نفوذ روسيا في الإقليم واستهداف إيران عبر تشديد الحصار وتضييق الخناق على ربيبها حزب الله. لكنها أيضًا تعمل على حماية الجبهة الشمالية لإسرائيل، وضمان استقرار شرقي المتوسط، ومنع انهيار شامل في لبنان قد يؤدي إلى تصدير المشاكل والفوضى إلى أوروبا والعالم.

القضية إذن ليست مساعدة لبنان كوطن حرّ ومستقل، وإنما اعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية ومشروعًا أميركيًا طويل المدى. ومع ذلك، فإن صورة القلعة الدبلوماسية التي تعلو فوق رؤوس شعب يرزح تحت خط الفقر، بلا أفق جديّ لديه لتحسين ظروف عيشه وضمان استقراره وديمومته، تحمل رسالة قاسية إلى اللبنانيين العاديين: واشنطن بالتأكيد تبني جدرانًا لنفسها، لا جسورًا لنا ولا حلولًا جدية تساعدنا على الخروج من عنق الزجاجة. لا، بل يبدو أنها تسعى لتشكيل انتداب جديد على لبنان كما فعلت من قبل فرنسا وبريطانيا.
من الممكن اختصار مشهد تلك السفارة الضخمة، على مساحة 175 ألف متر مربع وبميزانية 1.3 مليار دولار، كمشروع ترسيم طويل الأمد للحضور الأميركي في لبنان.
وسيط أم وصي؟
في المقابل، أتفهم وجود ضرورات سياسية وأمنية لذلك التدخل المباشر والعلني والوقح؛ فاندلاع حرب شاملة مع إسرائيل سيكون كارثيًا على لبنان وشعبه ودولته الضعيفة ونظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي الهش. فإذا نجحت واشنطن في تأجيل هذا السيناريو، فهي ربما تقدم خدمة للبنان والمنطقة من حيث ندري أو لا ندري. وإذا أدت العقوبات الأميركية على حزب الله ونزع سلاحه الغير ذي جدوى إلى تقويض الاقتصاد الموازي دون إسقاط الدولة، فقد يكون ذلك مخرجًا مؤقتًا من عنق الزجاجة الذي نحن فيه اليوم.
لكن ما لا يمكن التغاضي عنه هو الصمت المريب بين سطور المشروع الأميركي في لبنان والذي عبّر عنه بصلف المستعمر، وباستهتار شديد بالشعب اللبناني وحكومته والعهد، كل من المبعوثين برّاك وأورتيغيس. يبدو أن هناك نوايا كبيرة مخبأة بين طيّات التدخل المستجد لأميركا في مفاصل الحياة السياسية في لبنان. فما هي طبيعة التدخل القوي للولايات المتحدة في لبنان؟ هل هي وسيط أم وصي؟ شريك في الإصلاح أم مالك لقلعة لا يعلم لبنان واللبنانيون ما يدور وراء أسوارها العالية وفي أروقتها الفارهة من مخططات ومؤامرات إقليمية ودولية؟
تاريخ لبنان مليء بخطط صاغها الغرباء وزُرعت ضد إرادتنا. هنا، يخشى المرء أن تتحول السفارة الأميركية في عوكر إلى فصل جديد من هذا التاريخ، ما لم يطالب اللبنانيون — مجتمعًا مدنيًا ومثقفين وسياسيين — بالشفافية والسيادة والمحاسبة. فالدعم الخارجي لا يعوّض غياب الإرادة الوطنية، والسيادة الحقيقية تكمن في مساءلة كل دولة أجنبية تتدخل في القرارات الوطنية، بلا أي استنسابية.
حتى الآن، تواصل الرافعات عملها في السفارة، ويعلو الإسمنت فوق جدرانها، وتُرفع الأعلام الأميركية في حرمها. والولايات المتحدة تحفر أعمق فأعمق في تربة لبنان. والسؤال لم يعد: هل لواشنطن أجندة مخفية؟ بل: هل لدينا نحن الشجاعة والقدرة على التنبه لتلك الأجندة، وأن نعمل على صياغة مستقبلنا بأيدينا — وليس من خلال الأوامر الصادرة من خلف جدران سفارة، كما كان وربما لا يزال يحصل في سفارة إيران في لبنان؟
اقرأ أيضا: باراك وأورتاغوس يقدمان وعودا لدعم نزع السلاح..واليونيفل أداة ضغط إضافية

