في الجدل القائم حول عدد أيام التدريس نقرأ التعليق التالي: خرجت كرامي بعد التصريحين حول الدوام (لأربعة أيام، وزيادة وقت الحصة من 45 إلى 50 دقيقة) غير مرضي عليها، لا من أهالي الطلاب ولا من الأساتذة. فالمفروض تربوياً إعادة العمل بالدوام الرسمي الكامل وهذا أحد حقوق الطلاب في القطاع الرسمي، لكن مالياً لا يقبل الأساتذة العمل من دون أجر مقابل. وأحد شروط عودتهم للتعليم من إضرابات العام المنصرم كان الإبقاء على تقليص الدوام لأربعة أيام.
أدهشني برود ردود فعل الرأي العام والصحافة أمام هذا الخبر. بعد مراجعة المكتوب حول هذا الموضوع، نجد أنه لم يأخذ حيزاً كبيراً من الاهتمام، لا مقالات مستنكرة ولا تعليق على إبقاء الوضع التعليمي على حاله كما في زمن الحرب.
هل هذا حال بلد يطمح في أن يستعيد دوره كسويسرا الشرق حقاً!؟ هل هذا ما انتظرناه من العهد الجديد ووضع آمالنا عليه؟
كيف يمكن القبول باختزال التربية والتعليم ونقضي على المستوى الجيد لأجيال المستقبل؟ إنها قرارات مدهشة حقاً في كيفية معالجة الأزمات في لبنان في ظل العهد الجديد. هذا بعد أن انتظرنا إيلاء القطاع التربوي الاهتمام والرعاية الخاصين، ووضع المدارس في غرفة العناية الفائقة (خصوصاً في البيان الوزاري والوعد بالاهتمام بالتربية). انتظرنا إعادة ترشيد البرامج التربوية بتنقية أدمغة التلاميذ مما علق بها، من تلوث طائفي ومذهبي وعنفي، في السنوات القليلة الماضية. انتظرنا إعادة لبنان كمنارة للشرق استقبل أول مطبعة ونسبة الأمية لا تتعدى 11% لمن هم فوق الخمسين عاماً. كما استعادة مكانتَه ودورَه في تخريج النخب العربية الحاكمة من جامعاته ومعاهده.
كيف يمكن القبول باختزال التربية والتعليم ونقضي على المستوى الجيد لأجيال المستقبل؟ إنها قرارات مدهشة حقاً في كيفية معالجة الأزمات في لبنان في ظل العهد الجديد.
دروس من تجارب آسيا وصعود الأمم
في كتاب صدر منذ عدة سنوات تحت عنوان: *”هل يهدد الذكاء الاصطناعي الديمقراطيات؟”* جاء فيه عن عظمة وانحدار الأمم ما يلي:
“في العام 1960، كان لكوريا الجنوبية نفس مدخول الفرد مثلها مثل الدول الفقيرة في إفريقيا السوداء، ولم تلحق بالمغرب سوى في العام 1970. اليوم أصبحت عملاقاً تكنولوجياً في عدة ميادين مفتاحية من الميكروبروسيسور Microprocesseur أو دماغ الكمبيوتر للمعالجات الدقيقة، إلى الشاشات والبرمجيات logiciels والهواتف الذكية والنووي.
في العام 1980، كان المغرب أغنى بخمس مرات من الصين (1075 دولاراً في السنة لكل مواطن مقابل 195\$ للصين). ونعلم أين أصبحت الصين اليوم، بينما بقي المغرب دولة فقيرة فيها 40% من الأمية عند النساء. فرنسا كانت ثلاث مرات أغنى من سنغافورة في العام 1970. ونعرف حالها اليوم”.
هذه الانقلابات الجيوسياسية لا شأن لها بالصدفة، لكنها نتيجة جهود ضخمة في التوظيف التربوي والعلمي والتكنولوجي لبلدان شرق آسيا: سنغافورة، الصين، تايوان، هونغ كونغ، وكوريا الجنوبية. حصة الصين من الصرف العالمي على الأبحاث انفجرت: من 2% عام 1995 إلى 23% اليوم (منذ عدة سنوات)، أي أكثر من أوروبا مجتمعة وتقترب من الولايات المتحدة. أصبحت بلدان آسيا الشرقية عمالقة علميين، بينما وظفت بلدان أوروبا الجنوبية (إسبانيا، إيطاليا، البرتغال) بالكاد 1% من الثروة الوطنية الـ PIB – على البحث.
الوضع التربوي يعاني أيضاً من ضمور وضعف شديدين نتيجة لسيطرة القوى السياسية الطائفية على التعليم، وتوجيه المناهج بطريقة تخدم أجنداتهم الحزبية والمذهبية.
التربية كركيزة للإصلاح والنهوض
أعيد التذكير بما كتبته في مطلع العهد الجديد:
في خضم الأزمات المتراكمة التي يعيشها لبنان على المستويات الاجتماعية والصحية والاقتصادية والمالية والسياسية، أول حاجاتنا إعادة بناء الإنسان وخصوصاً من الجيل الجديد بالتركيز على التربية كأداة أساسية لبناء المستقبل وتحقيق الاستقرار الداخلي. مع تطورات الوضع الراهن، يجب ألا يغفل العهد الجديد في لبنان البُعد التربوي في سياساته، بل ينبغي أن يتم اعتباره جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيات الإصلاح والتحول. فمن خلال التربية السليمة، يمكن للأجيال القادمة أن تواجه تحديات الواقع المعاصر وتضمن لبلدها النهوض والانطلاق نحو آفاق جديدة.
من الواضح أن الخروج من المأزق الحالي في لبنان لا يمكن أن يتم إلا عبر مشروع إصلاحي شامل، ولعل أحد أوجه الإصلاح الرئيسية يجب أن يكون إعادة النظر في النظام التربوي. فلبنان لا يعاني فقط من انهيار المؤسسات السياسية والاقتصادية، بل إن الوضع التربوي يعاني أيضاً من ضمور وضعف شديدين نتيجة لسيطرة القوى السياسية الطائفية على التعليم، وتوجيه المناهج بطريقة تخدم أجنداتهم الحزبية والمذهبية. وهذا بحد ذاته يشكل خطراً كبيراً على هوية لبنان كدولة متنوعة ومتعددة، ويتناقض مع أي مشروع لتحقيق الاستقرار الداخلي.
وهكذا بدل أن ندعم المدرسة ونضاعف ساعات التدريس للتعويض، نختزلها ونختزل البرامج. لذا من غير المقبول إطلاقاً تمرير مثل هذه السياسات العرجاء وقصيرة النظر. إن من واجبكم طلب قرض خاص من صندوق النقد أو البنك الدولي أو أي مؤسسة مالية ترتأونها، لدعم القطاع التربوي ولتصحيح وضع الأساتذة وإنصافهم ورعاية الطلاب وإعادة الكرامة للطالب اللبناني الذي من حقه الحصول على التعليم الممتاز، خصوصاً في عهد المعلوماتية واقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي. اسمحوا لطلابنا بالتفوق الفعلي كي يساعدوكم على النهوض.
وإلا فلا أمل بلبنان الجديد كما كان حال القديم.
اقرا ايضا: نتنياهو يعلن جهوزيه بلاده لـ«دعم لبنان» و«تقليص» احتلال جيشه للجنوب

