لا حاجة بعد اليوم لإنتقاد حزب الله، ولا لصياغة أفكار ومقالات تناقض مواقفه، و تُفند تصريحات مسؤوليه وقياداته. يكفي أن نغويه ونستدرجه لنقاش عقلاني هادئ، يشبه جلسة تحليل نفسي على كرسي مريح وأريكة تصلح للبوح والاسترسال في سرد المواجع والهواجس والتهيئات، وتنقل الممدد على الأريكة من حال الإنكار والمكابرة الى تلمس الوقائع والحقائق والأحداث، وتداري كوابيس المرارات والهذيان.
وكما في جلسات التحليل النفسي، ثمة دائما في الحاضر ما هو موصول وناتج عن حدث في مرحلة الولادة والطفولة المبكرة، وفي ولادة حزب الله ومرحلة إنطلاقته الأولى ثمة فعل أساسي اسمه تصدير الثورة الإيرانية، وهو شعار صاغه الإمام الخميني وتبنته لاحقا الجمهورية الإسلامية ووضعته موضع التطبيق من خلال فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، فكان حزب الله ثمرة الشعار والأداة والممارسة.
السؤال اليوم: هل مازالت إيران خامنئي قادرة وراغبة بتصدير الثورة؟ وهل النموذج الإيراني بعد ٤٥ سنة من التجربة مازال يغوي شعوب المنطقة والشيعة من بينهم، بالإقتداء بالنموذج الإيراني والسعي لتقليده وإتباعه؟
وللإشارة الى معيار واقعي و مقياس عملي لإعطاء جواب عن هذا السؤال: كم عدد المواطنين الشيعة الذين يطلبون الهجرة إلى إيران للعيش في كنف النموذج الإسلامي المعد للتصدير والانتشار في العالم؟ وكم عدد الإيرانيين الذين فروا ويحاولون الفرار من العيش في كنف هذا النموذج؟
أما السؤال الثاني؛ فهل مازالت قيادة الحزب تصدق فعلا المزاعم التي تم ترديدها على مر السنوات من أن “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت” وأنه ليس من جهة في العالم لها قدرة الصدام مع حزب الله وزعيمه؟
وهل جرى التخلي عن عمليات تضليل وإيهام الحزب ومناصريه بشكل منظم ومدروس من أن حزب الله أهم “لاعب غير حكومي” بالعالم كله؟ وهو بالحقيقة – كما ظهر في المواجهة للأسف – مخترق حتى العظم ومفخخ بالعملاء والجواسيس من داخل بنيته التنظيمية. وانه لم يحظى في معاركه بجنود على أحصنة مطهمة بيضاء مرسلة من الغيب لمساعدته وصناعة انتصاراته، وان نظم وأجهزة اتصالاته ثبت أنها محشوة بالمتفجرات، التي أرسلها العدو لتنفجر بعناصره.
معضلة حزب الله وأزمته أنه ليس قادرا على تقبل حقيقة مؤلمة وواضحة وهي أن وظيفة سلاحه قد انتهت.
والسؤال الثالث: هل اكتشف شباب الحزب أن جوقات الزجل الإيرانية التي أطالت الخطب عن جهوزيتها للدفاع عن الحزب والمحور والخط وتدمير إسرائيل بـ 6 دقايق ونص، لم تكن إلا كلمات جوفاء؟ تماما كشعارات مثل تحرير القدس وتدمير “الكيان الغاصب” ومحاربة “الشيطان الأكبر”.
أما السؤال الرابع: هل حان أوان تخطي درجة الوهم الجارف، الذي ولد كماً هائلا من الغرور أصاب طائفة بأغلبيتها، مما أتاح مع الوقت بناء فقاعة بعيش فيها العشرات السنين. حزبا مع آلاف البشر، معتمدا على عقيدة صلبة انتحارية تدميرية، وقدرات مالية هائلة يتم توزيعها على الأنصار والمحازبين؟ وهل حان وقت الخروج من هذه الفقاعة بعد أن انفجرت، الى أرض الواقع والحقيقة؟
التأرجح بين صلف القوة والذعر الناتج عن قسوة الخراب، لا تحضنه ولا تداريه إلا الدولة. فبعد أن منع حزب الله، الدولة اللبنانية وأجهزتها من المس بأي شخص من جمهوره وقام بحمايتهم بالقوة، شعر الفرد الشيعي بحصانة لم يكن يحلم بها في حياته، ويخاف اليوم أن يفقدها.
تجربة حزب الله كانت ماساوية، تداعياتها طالت طائفة بقدها وقديدها، وهي عبرة ودرس لا يتوجب أن يتكرر مرة اخرى.
أما السؤال الخامس: فهو ماذا تبقى من الدور الإقليمي لحزب الله الذي لعبه في سورية وفلسطين والعراق واليمن؟ وكيف يمكن للحزب أن يعيد بناء هذا الدور بعد انفراط عقد محور الممانعة وحلف الأقليات، من ناكورني كاراباخ وأذربيجان الى نظام الأسدين والفصائل الولائية العراقية وصولا الى الحوثيين في اليمن وجماعة حماس في غزة؟ والجواب بَيِّن وبسيط وهو الاستحالة!
تجربة حزب الله كانت ماساوية، تداعياتها طالت طائفة بقدها وقديدها، وهي عبرة ودرس لا يتوجب أن يتكرر مرة أخرى.
أما السؤال السادس: فهو عن ما سمي زورا طوال سنين ماضية “حلفاء الحزب في لبنان” وتشكيلاتهم التي تنوعت بين أبواق صادحة بكل لحن وحكايات تشبه أفلام الكرتون المخصصة للأطفال والصبية، وشخصيات انتهازية تتكسب مع كل راع وتأكل من زوادته، ثم تنقلب مع كل مفصل سياسي لتأكل من زوادة أخرى.
ينبري الشيخ نعيم متوعدا بمواجهة كربلائية فيما يتبدى أنه لا يوجد جيش ليزيد ما، في المقلب الآخر، ويلوح بحرب أهلية ضد أطراف طائفية أخرى، فيما يلجأ آخرون الى التهديد بمواجهة مع الجيش اللبناني تؤدي إلى انقسامه وهذا أمر مستبعد.
لكن لو سلمنا جدلا – خلافا للواقع وموازين القوى الإقليمية واللبنانية – لو سلمنا جدلا أن حزب الله ربح الحرب الأهلية أو انتصر على الجيش اللبناني، فماذا سيفعل في اليوم التالي لانتصاراته الموهومة؟
• هل ستنسحب إسرائيل من الجنوب؟
• هل سيعود أهل القرى المدمرة الى بيوتهم؟
• من سيتولى تمويل الاعمار؟
واذا ما تجاوزنا كل ذلك، كيف سيتم ضمان الاستقرار في الجنوب ومن سيقوم بذلك؟
الجواب بَيِّن وبسيط وهو الاستحالة!” (في معرض الحديث عن إعادة بناء دور الحزب الإقليمي بعد انهيار محور الممانعة)
معضلة حزب الله وأزمته أنه ليس قادرا على تقبل حقيقة مؤلمة وواضحة وهي أن وظيفة سلاحه قد انتهت. انتهت وظيفة السلاح لبنانيا بعد كارثة حرب الإسناد ومقتلتها واتفاق الإذعان الذي قبل به مع بري ووقعته حكومة ميقاتي تجاوبا مع قرار الحزب، وانتهت إقليميا بعد كارثة غزة وسقوط نظام الأسدين، وانتهت إيرانيا بعد ضرب البرنامج النووي الإيراني.
هل نعتبر!!

