منذ نحو سبعة وأربعين عامًا، تقف قوات اليونيفيل في جنوب لبنان تحت مجهر الانتقادات الغربية. الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما عدد من الدول الأوروبية يحمّلونها مسؤولية الفشل في منع اندلاع الحروب، إذ لم تستطع أن توقف حرب 1982 ولا جولات المواجهة في أعوام 1992 و1996 و2006، وصولاً إلى الحرب الأخيرة عام 2023. أمام هذا الواقع، تتعالى داخل الإدارة الأميركية أصوات تشكّك بجدوى استمرار هذه القوات، معتبرة أن كلفتها الباهظة لا تتناسب مع نتائجها. فواشنطن وحدها أنفقت ما يقارب أربعة مليارات دولار على تمويل “اليونيفيل” حتى اليوم.
فراغ أمني يهدد لبنان!
في حديث لموقع “جنوبية” يقول الجنرال خليل الحلو، إن سحب قوات اليونيفيل من لبنان سيضع البلاد أمام مشكلتين أساسيتين. ويوضح في حديثه أن “المشكلة الأولى تكمن في غياب القوة البحرية والجوية التابعة لليونيفيل، والتي تتولى منذ عام 2006 تسيير دوريات على طول الشاطئ اللبناني، من الناقورة جنوباً حتى العبدة شمالاً”. ويضيف: “هذه القوة تمتلك خمسة زوارق، وقد راقبت خلال السنوات الماضية أكثر من مئة ألف سفينة، وأحالت ما بين 1200 و1300 منها إلى السلطات اللبنانية للتفتيش. فمَن سيتولى هذه المهمة بعد انسحابها؟”.
ويشير الحلو، إلى أن غياب هذه القوة سيجعل الشاطئ اللبناني عرضة للخرق والتهريب، “كما يفتح المجال أمام السفن الإسرائيلية لانتهاك المياه الإقليمية”. ورغم وجود البحرية اللبنانية، إلا أنه لفت إلى أنها “لا تملك الإمكانات الكافية مثل الطائرات المسيّرة أو المروحيات أو الطائرات الحربية”.
أما “المشكلة الثانية”، بحسب الحلو، فهي تتعلق بوجود نحو 10,200 جندي تابعين لليونيفيل في الجنوب. وقال: “في حال انسحابهم، سيُطلب من الجيش اللبناني ملء الفراغ، ما سيضطره إلى سحب قوات من الحدود الشرقية مع سوريا، ومن الحدود الشمالية، ومن المخيمات الفلسطينية، وحتى من المدن الكبرى في الداخل”. ويرى أن هذا الوضع قد يرفع منسوب المخاطر الأمنية، “ويتيح لعصابات التهريب عبر الحدود أن تنشط مجدداً بسبب ضعف المراقبة، الأمر الذي يمكن أن ينعكس أيضاً على الداخل السوري”.

هل بقاء اليونيفيل من مصلحة الشيعة؟!
يعتبر الجنرال خليل الحلو أن “حزب الله يتمسك ببقاء قوات اليونيفيل في الجنوب لعدة أسباب”. ويوضح أن السبب الأول مرتبط بالوظائف التي توفرها هذه القوات، حيث “يعمل نحو ألفي موظف مدني لبناني، معظمهم من أبناء الجنوب ومن جمهور الثنائي الشيعي، مع اليونيفيل أو عبر مشاريعها المختلفة، وهم يتقاضون رواتبهم بالدولار”.
الجنرال الحلو: غياب “اليونيفل” سيجعل الشاطئ اللبناني عرضة للخرق والتهريب، “كما يفتح المجال أمام السفن الإسرائيلية لانتهاك المياه الإقليمية”.
أما السبب الثاني، فيتعلق بالدورة الاقتصادية التي تنشّطها هذه القوات في المنطقة. ويشرح الحلو أن “جنود اليونيفيل يأكلون ويشربون ويسهرون ويصرفون أموالهم في الجنوب، ما يترك أثراً اقتصادياً مباشراً في القرى والبلدات”. ويضيف أن “القوات الدولية ساهمت أيضاً في مشاريع إنمائية عديدة، شملت بناء مدارس ومستوصَفات، ومشاريع زراعية، إضافة إلى مضخات مياه لدعم المجتمع المحلي”.
لكن الحلو يشير في المقابل إلى أن الحزب “يستخدم ورقة الأهالي للتعرض لليونيفيل من وقت إلى آخر، بغية إيصال رسائل سياسية إلى الأميركيين والأوروبيين مفادها: تكلموا معنا”. غير أن هذه الأساليب، برأيه، “قد تأتي بنتائج عكسية، خصوصًا أن الأميركيين يرفضون حتى الآن أي تواصل مباشر مع حزب الله”.
مصلحة فرنسية في الشرق الأوسط!
السجال مستمر بين الفرنسيين والأميركيين. ويرى الفرنسيون ضرورة التجديد، لأن لديهم كتيبة في اليونيفيل تقدَّر بنحو 500 إلى 700 جندي، إضافة إلى أن ضباط الأركان في اليونيفيل دائمًا ما يكونون فرنسيين، أما القائد فتتغير جنسيته تباعًا. ويتمسك الفرنسيون ببقائهم في لبنان، إذ إن وجودهم في الشرق الأوسط يقتصر على لبنان والإمارات العربية المتحدة. وقد احتدم السجال هذا العام، ولا سيما مع وجود قناعة لدى الولايات المتحدة بأن حزب الله في مناطق عمل اليونيفيل جنوب الليطاني قد عزز مواقعه وسيطرته وترسانته، من دون أن تكون لهذه القوات أي قدرة على ضبطه، كما أنها لم تستطع ردّ الاعتداءات الإسرائيلية.
وترسل اليونيفيل تقارير شهرية إلى الأمم المتحدة عن الخروقات الجوية والبحرية والبرية كافة، سواء من جانب إسرائيل أو من جانب حزب الله. وهذا يعني أن المسؤولية لا تقع على عاتق اليونيفيل، باعتبارها قوات مؤازرة للجيش اللبناني. فالمسؤولية الأولى، بحسب الحلو، تقع على الدولة اللبنانية التي لم تتخذ قرارًا باستخدام القوة جنوب الليطاني وسمحت لحزب الله بالانتشار والتحرك بحرية، فيما تقع المسؤولية الثانية على مجلس الأمن الذي لم يتخذ أي إجراء لردع الخروقات الإسرائيلية، رغم كل التقارير التي وصلته.
الجنرال الحلو: الحكومة اللبنانية لا ترغب في طلب تعديل مهمة اليونيفيل من الفصل السادس إلى الفصل السابع، نظرًا لوجود “حزب الله في الحكومة”
بقاء اليونيفيل مصلحة وطنية!
يبقى بقاء قوات اليونيفيل ليس من مصلحة لبنان فقط، بل يمثل أيضًا مصلحة إقليمية للحفاظ على الاستقرار في لبنان، وبطريقة غير مباشرة الاستقرار في سوريا، كما أنه يصب في مصلحة الجيش اللبناني الذي لا يمكن حصر جهوده في الجنوب فقط وإهمال باقي الملفات الحساسة، مثل التنظيمات الإرهابية. لذلك، يظل وجود اليونيفيل حيويًا، رغم أن الولايات المتحدة تنظر إلى المسألة بضيق أفق، سواء من ناحية التكاليف أو من ناحية عدم قدرة القوات على ضبط حزب الله.
وفي هذا السياق، يشير الجنرال خليل الحلو متسائلاً: “كم هي رواتبهم؟ كم يوماً يأتون إلى الخدمة؟ مأذونياتهم كبيرة وواسعة وهم بحاجة إلى أعمال خارجية كي يعيشوا”. ويؤكد الحلو أن الفرضية الصحيحة التي يجب النقاش حولها تبقى: ماذا سيحصل إذا سحبنا اليونيفيل، وما هي تبعات ذلك؟
وضعها تحت الفصل السابع!
في لبنان، خرجت أصوات مطالبة بوضع قوات اليونيفيل تحت الفصل السابع الذي يجيز لها استخدام القوة، إلا أن هناك عدة موانع تحول دون ذلك، أولها أن الحكومة اللبنانية لا ترغب في طلب تعديل مهمة اليونيفيل من الفصل السادس إلى الفصل السابع، نظرًا لوجود “حزب الله في الحكومة” كما يقول الحلو. أما الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، وروسيا، فهي ليست متحمسة لتعديل المهمة إلى الفصل السابع. فروسيا والصين قد تستخدمان الفيتو، في حين أن الدول الثلاث الأخرى غير مستعدة لإرسال قوات مقاتلة والمخاطرة بخسائر بشرية ومادية لأجل لبنان. وبالتالي، فإن مسألة الفصل السابع ليست واردة الحدوث.
اقرا ايضا: بدء تنفيذ خطة تسليم السلاح الفلسطيني..الجيش يدخل مخيم برج البراجنة

