شهدت بيروت أمس حدثاً وُصف بالمفصلي مع انطلاق المرحلة الأولى من عملية تسليم السلاح الفلسطيني في المخيمات، بدءاً من مخيم برج البراجنة، بعد تأجيل دام أشهراً نتيجة التعقيدات الفلسطينية الداخلية. هذا التطور الذي يترجم مقررات القمة اللبنانية-الفلسطينية في 21 أيار 2025 بين الرئيسين جوزف عون ومحمود عباس، يشكّل إشارة عملية إلى تمسك الدولة اللبنانية بقرار حصرية السلاح بيدها، وسط متابعة أمنية دقيقة.
وفق المعلومات، دخلت آليتان لمخابرات الجيش إلى المخيم تمهيداً لتسلم الدفعة الأولى من الأسلحة، التي تشمل أسلحة متوسطة صودرت من موقوفين. وستتوالى المراحل لتشمل باقي المخيمات: بيروت وجنوب الليطاني أولاً، ثم الشمال والبقاع، فصيدا ومخيم عين الحلوة في المرحلة الأخيرة. وبالتوازي، أكد رئيس لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني السفير رامز دمشقية أن العملية تسير وفق جدول زمني واضح، على أن تصبح المخيمات لاحقاً تحت إشراف الجيش اللبناني بالتنسيق مع حركة “فتح”.
هذه الخطوة العملية، مهما كان حجمها، تمثّل تحدياً سياسياً وأمنياً للفصائل الفلسطينية ورسالة ضمنية إلى “حزب الله” بأن الدولة ماضية في مسار بسط سلطتها الكاملة.
أزمة التخوين: الحزب في مواجهة عزلة لبنانية شاملة
في موازاة هذا التطور الإيجابي، تفاقمت أزمة جديدة على الساحة الداخلية مع عودة “حزب الله” إلى نهج التخوين السياسي بشكل غير مسبوق. الحزب الذي يعيش ارتباكاً داخلياً عقب الاختراقات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، شنّ حملة على رئيس الحكومة نواف سلام، مستخدماً لافتات مسيئة رفعت في الهرمل، واتهامات مباشرة وصلت إلى مواقع التواصل بحق رئيس الجمهورية جوزف عون والبطريرك الراعي عبر واجهات دينية كالمفتي أحمد قبلان.
هذه الممارسات، التي وُصفت بـ”الرعونة الخيالية”، استحضرت إلى الأذهان صفحات سوداء من تاريخ لبنان الحديث، يوم واكب التخوين سلسلة الاغتيالات السياسية قبل عقدين. لكنها اليوم ترتدّ على الحزب، إذ تسببت في إجماع لبناني عارم على الإدانة، وضعه في عزلة وطنية غير مسبوقة. بيانات الاستنكار تتابعت من معظم القوى السياسية والروحية، فيما فتح القضاء العسكري تحقيقاً في رفع اللافتات المسيئة في الهرمل، وأوقف عدداً من المشتبه بهم.
التوقيت السياسي… ما وراء الرسائل
انطلاق تسليم السلاح الفلسطيني لم يكن حدثاً إجرائياً عادياً، بل رسالة مزدوجة: داخلياً، لإثبات قدرة الدولة على فرض هيبتها رغم التوترات. وخارجياً، لإقناع المجتمع الدولي بجدية لبنان في استعادة سيادته، خصوصاً مع اقتراب موعد التمديد لقوات اليونيفيل في الجنوب. فالمفاوضات الجارية في مجلس الأمن معقّدة، وسط ضغوط إسرائيلية وأصوات أميركية تدعو لإنهاء المهمة، فيما تسعى فرنسا والدول الصديقة لتثبيت الوجود الدولي.
في هذا السياق، ترى مصادر سياسية أن أي فوضى داخلية أو انهيار في مسار حصرية السلاح قد ينعكس سلباً على الموقف اللبناني في المفاوضات، ويمنح خصومه حججاً إضافية. لذلك، تبدو الحكومة ماضية في خطتها، مدعومة بدعم عربي عبّر عنه أمس مساعد الأمين العام للجامعة العربية حسام زكي خلال زيارته بيروت.
تحليل: من سيكسر المعادلة؟
ما يجري اليوم يضع لبنان أمام توازن دقيق بين معركة السلاح ومعركة التخوين. تسليم السلاح الفلسطيني يشكل اختباراً لإرادة الدولة وقدرتها على الاستمرار في مواجهة مراكز النفوذ المسلّحة، وفي مقدمتها “حزب الله” الذي يواجه بدوره ضغطاً داخلياً متصاعداً وعزلة سياسية خانقة.
إذا استمر الحزب في خيار التصعيد، سيجد نفسه في مواجهة ليس فقط مع الدولة، بل مع إجماع لبناني وعربي، وربما دولي، يرفض أي استثناء في ملف السلاح. أما إذا قرأ الحزب التحولات الجارية بواقعية، فقد يكون أمام فرصة لتجنّب صدام وشيك، لكن المؤشرات الحالية توحي بعكس ذلك.
المرحلة المقبلة، إذن، مرشّحة لمزيد من التصعيد السياسي، وربما الأمني، ما لم تُترجم الخطوات الرمزية في المخيمات إلى مقاربة شاملة تشمل السلاح غير الشرعي كافة.
اقرا ايضا: بدء تنفيذ خطة تسليم السلاح الفلسطيني..الجيش يدخل مخيم برج البراجنة

