بين الممكن والواقع: هل يستطيع الجيش اللبناني تنفيذ قرار حصر السلاح؟

الجيش اللبناني

لبنان على كف عفريت، بين قرار الدولة اللبنانية حصر السلاح، وبين خطابات الشيخ نعيم قاسم ومن وراءه الرئيس نبيه بري بالتهويل بتحريك الشارع وضرب صيغة العيش المشترك، مما يذكر بمشهدية عادل إمام حين يقول: “يا نعيش عيشة فل يا نموت إحنا الكل”، يقف البلد أمام خطر التفتيت الداخلي والحروب الخارجية وانفراط العقد الاجتماعي بين الطوائف اللبنانية.

الجيش اللبناني، وهو العامود الفقري للبلد، يقف أمام استحقاق مصيري، يبدأ مع تحديد خطة زمنية لحصر السلاح مع نهاية آب الحالي، وإتمام المهمة قبل نهاية العام، فهل يتحول تفكيك ترسانة حزب الله إلى تفكك الجيش اللبناني وانقسامه؟!

قرار حصر السلاح اعتباطي!

يرى العميد الركن الدكتور هشام جابر أن “قرار الحكومة اعتباطي وبدل البحث عن حل قاموا بإدخال البلد في أزمة”، ويصف القرار الحكومي بأنه قرار “غبي يهدف إلى نزع سلاح المقاومة”. ويعتبر أن الرئيس تحدث عن استراتيجية دفاعية، وهناك مسودة تتعلق بالاستراتيجية الدفاعية. وكان المفروض على الدولة منذ بداية العهد وتشكيل الحكومة أن تصدر مرسومًا لتشكيل لجنة كفوءة لدراسة استراتيجية دفاعية ومن ثم تعرض هذه الاستراتيجية الدفاعية على مجلس الوزراء.

ظروف دولية وداخلية مختلفة تمامًا!

في لحظة سياسية داخلية وإقليمية معقدة، يبرز الجيش اللبناني كأحد أعمدة الاستقرار ورمزًا للوحدة الوطنية. فبحسب العميد نزار عبدالقادر، يعيش لبنان اليوم ظروفًا مغايرة تمامًا للماضي، إذ يجتمع حول جيشه رئيس جمهورية منتخب، وحكومة متماسكة، ومجلس نيابي شرعي، ودعم عربي ودولي يكرّس موقعه كضمانة للدولة وصيغة العيش المشترك. إن تماسك المؤسسة العسكرية وخبرتها الممتدة لعقود، يشكّلان عنصر القوة الذي يضع لبنان على سكة الصمود وسط التحولات الكبرى.

العميد عبد القادر: ليس هناك انقسام عامودي على المستوى الشعبي أو السياسي والكل ملتف حول الجيش اللبناني والدولة متماسكة

ويشرح العميد الركن نزار عبدالقادر مسالة انقسام الجيش الذي بدأ في عام 1975 عندما انقسم لبنان إلى عدة أقسام وكان للمقاومة الفلسيطينية والحركة الوطنية وعشرات الأطراف والأحزاب والفصائل المسلحة، كان لها دور في هذا الانقسام والذي ظهرت بوادره في العام 1969. ويرى أنه: “في ذلك الوقت كانت الدولة كلها مقسومة عاموديًا بين معسكرين لذلك صار الجيش يواجه انقسام كلي على الصعيدين الشعبي والسياسي، ولذلك ترك الجنود مراكزهم حفاظًا على سلامتهم لأنه لو كنت مسلمًا في منطقة مسيحية أو مسيحيًا في منطقة مسلمة فهناك خطر على حياتك”.

ويذكر عبدالقادر أنه عاش هذه الفترة بالتفصيل، فيي عام 1984 كنت في السلك العسكري ولم ينقسم اللواء الثالث والذي كان قائده، وكان لواءًا أغلبيته من الشيعة. يقول: “كنا في مهمات أمنية في الضاحية الجنوبية، فالضباط والرتباء والجنود يقفون أمام مسؤولياتهم ويعرفون وضع البلد، وقد شرحت لهم يومها أهداف الجيش ودوره المحوري في تنفيذ الاتفاقات كقوى ضامنة للأمن في البلد”. ويضيف: “هناك فن في القيادة، ولا شك أن رئيس الجمهورية وقائد الجيش الحالي لديهم القدرة على إدارة الملفات بجدارة، واليوم ليس هناك انقسام عامودي على المستوى الشعبي أو السياسي والكل ملتف حول الجيش اللبناني والدولة متماسكة”.

خارطة طريق!

بدوره، يعتبر العميد هشام جابر أن حصرية السلاح مبدأ متفق عليه من الجميع وذكر في خطاب القسم والبيان الوزاري لكن المسألة تتعلق بخارطة طريق كان يجب أن تبدأ مباشرة مع بداية العهد، لذا فما تم في مجلس الوزراء هو سوء تقدير. ويعتبر أن حزب الله صادقون بالدخول ضمن استراتيجية دفاعية.

وفي المقابل فليس هناك تصور واضح من قبل الحكومة بحيث على الحزب تسليم سلاحه بدون استراتيجية دفاعية ودون معرفة إلى أين سيذهب هذا السلاح فهل سيتم رميه أم تفجيره أم اعطاءه لإسرائيل ام تدميره من قبل الطيران الإسرائيلي، يعتبر أن المسألة غامضة جدًا، ولن يقبلها أحد. المطروح على الحزب تسليم السلاح وإلا وضع الجيش في مواجهة الحزب.

يقول: “ماذا لو اجتاحت إسرائيل لبنان وماذا لو طاردت قيادات حزب الله وقامت بتصفيتهم، الحكومة تريد وضع حزب الله بين خيارين: الانتحار او القتل. فماذا سيكون جوابه؟”. ويرى أن قرار الحكومة انتحار للجيش والبلد والمقاومة والشعب ككل مما سيهدم المعبد على رؤوسنا جميعنا كي ينبسط الإسرائيلي!

العميد جابر: ليس هناك تصور واضح من قبل الحكومة بحيث على الحزب تسليم سلاحه بدون استراتيجية دفاعية ودون معرفة إلى أين سيذهب هذا السلاح فهل سيتم رميه أم تفجيره أم اعطاءه لإسرائيل

لبنان: دولة كاملة الأوصاف!

أما اليوم فيرى عبدالقادر أن في لبنان “دولة كاملة الأوصاف”، فهناك رئيس جمهورية منتخب من غالبية برلمانية، وهناك حكومة متماسكة، وهناك جيش متماسك ولديه عشرات السنوات من الخبرة، وهناك دولة لها ارتباطات دولية وعربية تدعم الجيش اللبناني، ولذلك يستبعد الجنرال عبدالقادر أن يشهد أي انقسام.

يشير بالقول: “لقد رأينا أن بعض الوزراء انسحبوا من الجلسة الحكومية لكنهم عادوا في الجلسة الثانية. فنحن اليوم أمام ظروف دولية وإقليمية وعربية وداخلية مختلفة تمامًا عن كل الأزمنة السابقة تدعم استقلال لبنان واستقراره وتدعم دور الجيش اللبناني”، ويعتبر أن هذه كلها عناصر قوة.

انقسام الجيش اللبناني!

بالنسبة له، وهو الدارس للتاريخ المعاصر والعارف بالمؤسسة العسكرية، يشير إلى أن الجيش اللبناني انقسم أربع مرات في تاريخه، وجربناها عام 1976 وعام 1984 وعام 1989 ولا يجوز أن يتفكك الجيش كل عقد أو عقدين من الزمن، فحين يوضع الجيش في مواجهة أي فئة من المواطنين سواء كانوا شيعة أو دروز أو سنة او مسيحيين فسوف يتفكك هذا الجيش.

ويشير إلى أن كل عسكري يحمل بندقيته ويغادر ثكنته إلى جماعته، ويضرب مثالًا ما حصل مع الدروز بحيث ذهب الجنود الدروز إلى ثكنة حمانا وبيت الدين وانضموا إلى وليد جنبلاط. ولنتذكر 6 شباط وانقسام الجيش بين الشرقية والغربية. ويعتبر أن “لبنان ليس لديه مقومات سوى هذا الجيش فوضعه في مواجهة حزب الله سيؤدي إلى تفككه، ومن أخذوا هذا القرار يريدون تخريب البلد. وإذا وقع عامود الخيمة الوحيد راح الوطن والعوض بسلامتك”.

تهديد الصيغة اللبنانية!

العميد الركن عبدالقادر له وجهة نظر مغايرة، ويعتبر أن الضباط يحتكمون لمنطق الوحدة الوطنية ووحدة الجيش، ولا يمكن أن يخرج ضابط ويقول لرئيسه أنه لن ينفذ هذا الأمر. لكن عبدالقادر لا ينفي مسألة النقاش الداخلي داخل قيادة الجيش أثناء الاجتماعات، دون لا يعني أن النقاش يصل إلى التمرد والانقلاب. وكان عبدالقادر داخل السلك العسكري، وقام بتخريج دفعات عديدة من الضباط الذين يشغلون اليوم مناصب قيادية في الصف الأول داخل القيادة العسكرية والأمنية في لبنان، وهؤلاء الضباط منسجمون ويؤمنون برسالة الجيش وبأنه لا خلاص إلا عن طريق الجيش اللبناني، وهم يعلمون بأن أي تهديد للجيش اللبناني يعني تهديد كامل للصيغة اللبنانية.

لا مفر من الوصول إلى تفاهمات!

ويرى عبدالقادر أنه في نهاية المطاف يجب الوصول إلى نوع من التفاهمات مع حزب الله، ونحن نعلم أن إيران تدفع الحزب لعدم القبول بقرار حصر السلاح، لكن إيران نفسها أوضحت بأنها بحاجة لورقة لبنان في المفاوضات النووية مع الأميركيين، والكثير من الشيعة يعلمون أنه صاروا يستخدمون كوسيلة لخراب لبنان لمصلحة إيران، ثم هناك حوالي 45 قرية شيعية مدمرة، بالإضافة إلى الضاحية الجنوبية، ودمار في منطقة البقاع، فكيف يمكن إعادة إعمارهم في حال عدم التوصل إلى حل؟!  هل نترك الناس خارج منازلهم وخارج قراهم؟! هناك مصالح الناس والشيعة خصوصًا في الوصول إلى حل من أجل ضمان حياتهم اليومية والثنائي الشيعي يدرك هذا الأمر.

مراحل زمنية وسيناريوهات واضحة

بدوره، لفت العميد الركن خالد حمادة إلى أنّ خططًا متكاملة لحصر السلاح وُضعت منذ كان العماد جوزيف عون قائدًا للجيش، واستُكملت مع تسلّم رودولف هيكل القيادة. وكشف أنّ “المؤسسة العسكرية بصدد تقديم خطة واضحة إلى مجلس الوزراء، للحصول على الغطاء السياسي، تتضمّن مراحل زمنية دقيقة ونقاطًا تنفيذية محددة”.

وأوضح أنّ الخطة تقوم على تقسيم المناطق إلى قطاعات وانتشار الجيش فيها، مع الاستناد إلى صور جوية وتقارير استخباراتية، مشددًا على أنّ “سلاح حزب الله ليس تحت سابع أرض، ولا يمكن إخفاؤه إلى الأبد”. وأضاف أنّ التنفيذ سيتم تدريجيًا، بحيث تشمل الخطة “سيناريوهات التعامل مع كل من يرفض أو يواجه أو يحاول التهرّب أو يطلق النار على الجيش، ضمن معايير واضحة يقرّها مجلس الوزراء”.

ورأى حمادة أنّ القرار ليس مسؤولية الجيش اللبناني وحده، بل مسؤولية الدولة والأحزاب مجتمعة، موضحًا أنّ مختلف القوى وافقت على هذا الخيار. ويشير إلى أنّ الظروف تبدّلت اليوم، فلم يعد بالإمكان الحديث عن انقسام داخل الجيش، بعدما كانت الانقسامات في السابق على خلفية الصراع المسيحي ـ المسلم، ومسألة المقاومة الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل.

لا عودة إلى الحرب!

يؤكد العميد الركن خالد حمادة أنّ كل ما يُحكى عن فشل الجيش في حصر السلاح أو عن احتمال عودة الحرب مع إسرائيل، مجرد افتراضات ضعيفة. ويشدد على أنّه “لا عودة للحرب، لأن الأميركيين أساسًا قالوا إن هذه مشكلة لبنانية ويجب حلّها داخليًا، وهم لا يريدون استمرار الحرب في لبنان، وهناك خطوط حمراء يمنع على إسرائيل تجاوزها”.

ويضيف حمادة أنّ بعض الأطراف ما زالت تتعامل مع حزب الله كما لو أنّه يملك ذات القيادة والهيكلية ومنظومة القيادة والسيطرة نفسها، معتبرًا أنّ هذا التفكير خاطئ. “فحزب الله أضعف بكثير من الصورة المتخيلة التي راكمها طوال أربعين عامًا”، يقول حمادة، مشبهًا وضعه اليوم بكونه “مقامر خسر ماله في الكازينو ويريد أن يضرب زوجته ويهدم البيت لأنه خسر ماله، فما علاقة بيته وزوجته بالمسألة؟”.

العميد الركن خالد حمادة كل ما يُحكى عن فشل الجيش في حصر السلاح أو عن احتمال عودة الحرب مع إسرائيل، مجرد افتراضات ضعيفة.

إجماع على شرعية الجيش

ويعتبر حمادة اخيرا، أنّه لا مصلحة لأحد في لبنان بمواجهة الجيش. ويقول: “لا يمكن لبري أو حزب الله رفض عمل الجيش أو مجابهته، ولا يمكن لأي طرف أن يقف أمامه، نظرًا لشرعيته الدستورية والشعبية والقانونية”. ويشير إلى وجود إجماع عربي ودولي وإقليمي على دور المؤسسة العسكرية، متسائلًا: “ماذا يمكن لبري أو حزب الله أن يقولا للشيعة واللبنانيين؟ وكيف سيبررون ذلك؟ وهل يمكن لبري أن يدفع رواتب الجنود والضباط المنشقين عن الجيش اللبناني؟”.

السابق
لتعزيز الاستقرار في الجنوب السوري.. الشيباني يلتقي وفداً إسرائيلياً في باريس
التالي
وزير الدفاع الاسرائيلي يوافق على خطة احتلال غزة.. استدعاء 60 ألف من جنود الإحتياط