في اللحظة التي تتقدم فيها العملية السياسية بين الحكومة التركية و”الحزب العمال الكردستاني” pkk. نحو مرحلة أكثر حساسية ودقة و تبدو الساحة السياسية التركية وكأنها دخلت مرحلة إعادة تشكل عميقة تتجاوز مجرد التفاوض حول الحقوق الكردية، لتطال جذور البنية السياسية والهوياتية للدولة الحديثة و ليست هذه مفاوضات عابرة، بل أختبارًا وجوديًا يعاد من خلاله تعريف معادلات السلطة، والتوازنات الهوية، والحدود الشرعية القومية في تركيا الجمهورية.
أردوغان والتحدي القومي
لطالما أتقن الرئيس رجب طيب أردوغان فن اللعب على حواف التوازنات، مُناورًا ببراعة بين تيارات الإسلام السياسي، ومراكز القوى القومية، والمكونات الإثنية الهامشية. لكن أنخراطه العلني في عملية سياسية مع “حزب العمال الكردستاني” — وهو تنظيم صنفته الدولة طيلة عقود كمنظمة إرهابية — يمثل أنعطافة إستراتيجية غير مسبوقة في مسيرته السياسية. فبقدر ما يعكس هذا التوجه أستعدادًا لإنهاء صراع أهلي طال لعقود، فإنه يضع رجب طيب أردوغان على خط تماس مباشر مع أكثر التيارات حساسية ورفضًا _ القوميون الأتراك.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يتردد في تسويق هذا التحول على أنه أمتداد لمشروعه الإصلاحي الذي يتغيا بناء “تركيا الكبرى” المتصالحة مع مكوناتها، لكنه في المقابل، فتح الباب أمام أستنزاف غير مسبوق في رصيده لدى الطيف القومي، وبشكل خاص من داخل القاعدة الصلبة لـتحالف الجمهور”، الذي يربطه بـ”حزب الحركة القومية” بزعامة دولت بهجلي.
حركة بهجلي: مرونة تكتيكية أم انشقاق عن الذات؟
دولت بهجلي، الزعيم التقليدي لحزب الحركة القومية، أظهر تحولاً لافتًا في مقاربته للمسألة الكردية و لم يعد الرجل الذي أشتهر بخطابه الصلب والرافض لأي أنفتاح على الهويات غير التركية، بل بات يدفع بخطاب يدعو إلى التعدد الإداري والتنوع التمثيلي، كما في تسريبه الشهير حول تعيين نائب كردي وآخر علوي للرئيس.
هذه التحولات أثارت أمتعاضاً واسعاً في الأوساط القومية، وُصفت بأنها “خيانة للثوابت” و”خروج عن المدرسة الطورانية” التي تشكل العصب الأيديولوجي للحركة. غير أن بهجلي، وبدعم من مؤسسات الدولة، أعاد تأطير هذا التحول باعتباره ضرورة أمنية وسياسية، لحماية الكيان التركي من أحتمالات التفتت والأنهيار، في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تحيط في تركيا من كل جانب، من سوريا والعراق إلى القوقاز والبلقان.
و لكن هل ما يُمارسه بهجلي هو مرونة سياسية محكومة بحسابات التحالف؟ أم أن الأمر يعكس شرخًا داخليًا بدأ يتشكل في الوعي القومي التركي التقليدي؟ الأرجح أن المسألة تتعدى التكتيك السياسي إلى أزمة بنيوية تعكس تصدع الهوية القومية في تركيا.
أنفجار الطيف القومي: تعددية أم تناحر؟
ما يكشفه المشهد الراهن أن التيار القومي التركي لم يعد كتلة واحدة منضبطة تحت راية واحدة، بل تفتت إلى أربعة أطياف رئيسية، تتراوح بين البراغماتية السياسية المتصالحة مع الدولة، وبين الأنغلاق القومي الصدامي:
1_ “حزب الحركة القومية”: الذراع الرسمية للقومية التقليدية، والمتورط بعمق في حسابات السلطة، بات اليوم أكثر قابلية للتفاوض، لكنه في المقابل يواجه تآكلًا داخليًا في شرعيته لدى قاعدته.
2_ “الحزب الجيد” (IYI): يمثل شريحة من القوميين المنشقين، الرافضين لأي أنفتاح على الأكراد أو إعادة تعريف الهوية الوطنية، ويطرحون أنفسهم كصوت “الضمير القومي”، مع ما يرافق ذلك من خطاب متشدد وشعبوي.
3_ “حزب النصر” (Zafer Partisi) و”حزب الوطن الكبير” (Vatan Partisi)**: تيارات قومية من خارج البرلمان، تبني خطابها على رفض تام لعملية السلام، وتستخدم لغة التحريض والخوف، وقد نجحت في رفع شعبيتها من هامشية رمزية إلى رقم مؤثر قد يبلغ 5%، ما يؤهلها للعب أدوار حاسمة في أستحقاقات قادمة.
هذا التشرذم يكشف أن القومية التركية لم تعد تمثل خطابًا أحاديًا أو برنامجًا سياسيا واضح المعالم، بل باتت حلبة صراع بين تصورات متباينة لمستقبل الدولة: بين قومية “دولتية” ترى في التعددية وسيلة لحفظ الكيان، وقومية “أرثوذكسية” ترى في أي تسوية مع الأكراد بوابة للتفكك والانهيار.
المعارضة في الميزان: لعبة الخطاب المزدوج
في هذا السياق المضطرب، يظهر “حزب الشعب الجمهوري” (CHP) كمراقب ماهر يتحين اللحظة المناسبة. الحزب الذي لطالما قدم نفسه كحارس للعلمانية والجمهورية، يعيد الآن إنتاج ذاته كتيار قومي-تقدمي، يسعى لوراثة القاعدة القومية الغاضبة من “تحالف الجمهور”، دون أن يظهر كعدو للمصالحة الوطنية.
وأن حسابات الحزب دقيقة: فهو لا يستطيع معارضة إنهاء الصراع مع الأكراد، لكنه في الوقت ذاته، يخشى من أن تتحول هذه العملية إلى منصة لشرعنة تعديلات دستورية تمنح أردوغان حق الترشح مجددًا في العام 2028. لذا، يلوح بالخطاب القومي التصعيدي، لكن دون تجاوز الخط الأحمر: أي الظهور كمعرقل للسلام.
وما يعزز موقف “الشعب الجمهوري” أن معادلة التصويت البرلماني تُظهر إمكانية استقطاب حلفاء جدد لتعطيل تمرير أي تعديل دستوري دون الذهاب إلى الأستفتاء العام، الذي قد يراهن فيه أردوغان على أستثمار منجز السلام لكسب التأييد الشعبي.
الكتلة الكردية..بيضة القبان
في قلب هذا المشهد، تقف الكتلة الكردية ممثلةً بـ”حزب الشعوب والمساواة والديمقراطية” (DEM Party) كلاعب حاسم. فبـ57 مقعدًا برلمانيًا، يستطيع الحزب ترجيح كفة التعديل الدستوري لصالح أردوغان، أو إفشاله إذا ما رفض المشاركة.
لكن ثمن هذا الاصطفاف سيكون باهظًا: هل يتحمل
الحزب الكردي تبعات الوقوف إلى جانب رئيس إسلامي قومي، لطالما حمّله الأكراد مسؤولية الانقسام والصراع؟ أم أنه سيفضل انتظار مكاسب أكثر في ظل معارضة واعدة؟
نحو 2028..معركة مصيرية
كل المؤشرات تقود إلى حقيقة مركزية: الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة في 2028 ستكون معركة وجودية. ليست مجرد مواجهة انتخابية، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها: هل ستُعاد صياغة الهوية التركية لتصبح أكثر تعددية واحتواءً؟ أم سينتصر التيار القومي الصلب، ويعيد فرض تعريف ضيق للجمهورية؟
أردوغان يسعى لتأبيد سلطته عبر غطاء المصالحة، والمعارضة تستنفر خطابها القومي لقطع الطريق عليه. القوميون منقسمون، والأكراد متوجسون، والمجتمع التركي يرقب تطور الأحداث بين تطلع للسلام وخوف من التنازلات.
تركيا أمام مفترق طرق
إن ما يجري اليوم في تركيا ليس مجرد تفاوض سياسي، بل إعادة كتابة لعقد اجتماعي جديد. الخيارات المطروحة ليست كلها رابحة، والخطأ في الحساب قد يجر البلاد إلى دوامات استقطاب حاد أو صدام داخلي. التحدي الأكبر هو: كيف تُمنح المكونات الكردية مكانتها السياسية دون تهديد البنية القومية؟ وكيف يُعاد تعريف القومية نفسها دون أن تنهار شرعية الدولة؟
قرا ايضا: السلاح بين شرعية المقاومة وعبء الوصاية على الوطن

