عُقد اجتماع افتراضي عبر تقنية Zoom، ضمّ القائمين على فروع المنظمة اللبنانية لبناء السلام والتنمية المستدامة في كل من لبنان، الولايات المتحدة وكندا، إلى جانب إدارة مكتب دعم بناء السلام في الأمم المتحدة، وبمشاركة ممثلين عن مكتب الأمم المتحدة للمشاريع القائمة، وذلك في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك.
الاجتماع خُصص لعرض ومناقشة خطة المنظمة في مجال بناء السلام في لبنان، وسبل التعاون مع الجهات الدولية لدعم هذه المبادرة.
شارك في اللقاء مؤسس المنظمة السفير السابق الدكتور هشام حمدان، ونائبة رئيس الهيئة التنفيذية في لبنان لارا فارس، إلى جانب الدكتور شوقي عمار مؤسس فرع كندا. كما حضرت أوا دابو، نائبة الأمين العام المساعد لشؤون بناء السلام ومديرة مكتب الدعم، ومعاونتها ربكّا فيلي، إضافة إلى ممثلة مكتب المشاريع جياسكوان يو.
في كلمته، شكر الدكتور حمدان الأمم المتحدة على “استجابتها لطلب المنظمة عقد اللقاء”، معتبراً ذلك “دليلاً على إيمان الهيئة الدولية بدور المجتمع المدني في تحقيق أهداف السلام”. وأكد أن “المنظمة لا تبغي الربح ولا تسعى وراء تمويل خارجي، بل تطمح إلى دعم معنوي وتوجيهي من الجهات الدولية”.
من جهتها، أكدت لارا فارس أن المنظمة تعمل بتصريح رسمي من وزارة الداخلية اللبنانية، وتضم نخبة من المتخصصين في مجالات تدعم السلام والتنمية. وأشارت إلى أن “الجمعية تموّل نشاطاتها ذاتياً حفاظاً على استقلاليتها ومصداقيتها”.
أما الدكتور شوقي عمار، فأشار إلى أن فرع المنظمة في كندا بدأ عمله حديثاً وتمّ تجهيزه بكافة الإمكانيات، موضحاً أن “الفرع يسعى لتنسيق الجهود الأكاديمية وعقد مؤتمر دولي قريباً لبحث بناء السلام في لبنان من منظور عالمي”.
من جانبها، نوّهت أوا دابو بـ”الجهود الملهمة” للمنظمة، مشيرة إلى أهمية شراكة الأمم المتحدة مع المجتمع المدني في دول مثل لبنان. وأعلنت عن توجيه دعوة رسمية لمؤسس المنظمة للمشاركة في مؤتمر دولي للمنظمات غير الحكومية المعنية ببناء السلام، من المقرر عقده في جنيف خلال كانون الأول المقبل.
واختتم الاجتماع بتأكيد الجانبين على أهمية التواصل المستمر وتطوير آليات العمل المشترك لتعزيز السلام والاستقرار في لبنان، عبر التعاون الأكاديمي والميداني وتوسيع قاعدة الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني.
وفي حديث لموقع “جنوبية” قال حمدان إن “الجمعية مسجّلة رسمياً في وزارة الداخلية، وقد أسسها مجموعة من الخبراء من دون أي تمييز، لا في الدين ولا المذهب ولا في التوجهات السياسية أو المناطقية، وذلك بهدف المساهمة في وضع استراتيجية وطنية تُسهم في استعادة أو بناء السلام بعد النزاع في لبنان”.
وأكد أن هذا المفهوم يُعدّ جديداً على أجندة العمل الدولي، وقد تم اقتراحه من قبل الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي، بطلب من مجلس الأمن، لتحديد القواعد الضرورية لحفظ السلم الأهلي.
وأوضح أن بطرس غالي كان قد رأى، في حينه، أن هناك عدة دول تعرّضت لحروب وعانت من تداعياتها، ولا يمكنها استعادة السلام دون دعم من المجتمع الدولي. ولهذا، اقترح غالي أن تتبنّى الأمم المتحدة مفهوم “بناء السلام بعد النزاع”، وهو توجه مختلف عمّا كان سائداً سابقاً، حيث انحصر دور المنظمة في منع نشوب الحروب أو التدخل الإنساني بعد اندلاعها، من خلال إرسال قوات طوارئ أو تقديم مساعدات إنسانية وإعادة إعمار. لكنه أشار إلى أن غياب المساعدة في إعادة بناء النظام السياسي في الدول الخارجة من حروب، لا سيّما الحروب الأهلية، كان يشكّل ثغرة كبيرة، كون إعادة هيكلة النظام السياسي تُعدّ شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار واستعادة السلام.
وقال إن السؤال الذي طرح نفسه حينها هو: كيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي من دون المساعدة الدولية؟ وقد أقرّ مجلس الأمن هذا المقترح ورفعه إلى الجمعية العامة التي قرّرت في أواخر عام 1994 إنشاء لجنة مفتوحة العضوية تضمّ جميع دول الأمم المتحدة للعمل على بلورة المبادئ الأساسية لبناء السلام بعد النزاع.
وأشار إلى أنه كان قد انتقل إلى الأمم المتحدة في تلك المرحلة وشارك في هذا الفريق العامل لمدة عامين، حيث خرج بعدد من المبادئ حول كيفية بناء السلام بعد النزاع.
وتابع: “بعد تقاعدي، وجدت أن الإدارة (اللبنانية) متغافلة تماماً ولا تدرك شيئاً عن هذا الموضوع، وعليه رأيت من الضروري أن نسعى لعمل جدي في هذا المجال”. وأكّد أن البنك الدولي نفسه لاحظ أن المساعدات الدولية للدول الخارجة من الحروب غالباً لا تؤتي ثمارها، حتى في حال استهدفت إصلاح الأنظمة السياسية، والسبب أن الذين يضعون هذه البرامج غالباً ما يكونون من خارج تلك الدول ولا يملكون الفهم العميق للمصالح الداخلية أو طبيعة المجتمعات المتأثرة.
وقال إن البنك الدولي شدد على ضرورة إشراك الجهات الوطنية المحلية في صياغة استراتيجيات بناء السلام، لتقوم الأمم المتحدة لاحقاً بدعم هذه الجهود. وأضاف أن الأمم المتحدة تفضّل وتحثّ على إشراك المجتمع المدني في هذه العملية.
وأكّد أنه بناءً على ذلك، بادر إلى إنشاء الجمعية بالتعاون مع اختصاصيين، وحصلوا على العلم والخبر، وبدأوا فعلاً بالتواصل مع الهيئات الأكاديمية لاستقطاب الكفاءات العلمية والخبراء في هذا المجال. لكنه أشار إلى أن الواقع اللبناني صعب جداً، وأن حالة الانقسام العمودي الطاغية على المجتمع اللبناني تجعل من الصعب التوصل إلى عمل عقلاني هادئ في سبيل وضع استراتيجية وطنية شاملة لبناء السلام.
وأوضح أنه لهذا السبب، لجأ إلى إشراك القطاع الاغترابي، لافتاً إلى أن اللبنانيين في الخارج يتمتعون بهامش أوسع من الحرية في التعبير، كما أن لديهم خبرات عميقة اكتسبوها من مجتمعات التعايش التي يعيشون فيها. وقال: “بدأنا بالفعل بتأسيس فروع للجمعية في الخارج، وافتتحنا فروعاً في الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين، وسنعمل على تأسيس فروع أخرى في أماكن انتشار الجاليات اللبنانية”.
وأضاف أن اللقاء الأخير مع الأمم المتحدة كان بالغ الأهمية، لأنه أتاح وضع المنظمة الدولية في صورة الجهود التي تبذلها الجمعية. وقال إن مسؤولي الأمم المتحدة أُعجبوا جداً بالمبادرة واعتبروها نموذجاً فريداً يمكن تعميمه في دول أخرى، مشيراً إلى أن هذا الإعجاب تُوّج بدعوة رسمية للمشاركة في اجتماع دولي للجمعيات غير الحكومية المعنية ببناء السلام، سيُعقد في جينيف يومي 10 و11 كانون الأول المقبل.
وختم مؤكداً: “نحن لا نزال في بداية الطريق، لكننا بدأنا فعلياً وبشكل جدي بهذا النشاط. والأهم من ذلك أننا لا نقبل أي تمويل من جهات حكومية أو غير حكومية، لأننا نريد أن نحتفظ بحرية مواقفنا واستقلالية أهدافنا. نحن نتطلّع فقط إلى مشاركة الناس في أعمال الجمعية، من خلال عضوية رمزية تُسهم في تغطية النفقات، فنحن نمول هذه الجهود من جيوبنا، ولا نندم على ذلك، بل نشعر بسعادة كبيرة لأننا نؤدي عملاً يخدم لبنان وأمنه واستقراره ومستقبله”.

