عادت الدولة من الدويلة، وخرجت الدويلة من الدولة، وسقط منطق الدويلة في الدولة، وعلا صوت الدولة على الدويلة، وبات المسرح السياسي خارج التمثيل، ولم تعُد اللعبة هي النص الذي يحفظه الممثلون السياسيون عن ظهر قلب.
الحكومة.. من القول الى العمل
أمس بدا ميزان السياسة في لبنان طابشًا لصالح خصوم سلاح حزب الله، بعد أن كان طابشًا دائمًا لصالح حلفاء سلاحه، وعليه شمرت السلطة عن ساعديها، وبدأت حكومة الرئيس سلام حكومة فعل لا قول، وهذا ما هزّ الثنائي الشيعي وأخرجهما من جلستي الحكومة (النوافية)، بعد أن كان الثنائي يخرجان من يخرج عن موقفهما.
هذا المشهد بحد ذاته يُعد تغييرًا حقيقيًا في المشهد السياسي الحكومي، ولأول مرة يقف الحزب بلا ظل وبلا ظليل، لقد تخلى عنه جميع حلفائه، ولم يبق معه سوى نجاح وكيم وجناح محسوب عليه في الحزب الشيوعي.
وحده الرئيس نبيه بري لم يطعن الحزب لا في الخاصرة ولا في الظهر، وها هو يقوده، ويمسك بيده مسك الجد لحفيده، لينجيه من عذاب الفزع الأكبر، من لحظة التخلي عنه، من قبل من أوصلهم الحزب إلى جنة السلطة ونعمة المال.
كل قوي له جمع وعنده جماعة، هكذا قال خبراء هذا الفن من الأدب السياسي الكلاسيكي، من زمن الملوك إلى نشأة الدول، وعندما (توقع البقرة بيكتروا دباحينها)، هكذا قال الفلاحون من مخاتير القرى!
لأول مرة يقف الحزب بلا ظل وبلا ظليل، لقد تخلى عنه جميع حلفائه، ولم يبق معه سوى نجاح وكيم وجناح محسوب عليه في الحزب الشيوعي.
الحزب يضعف نفسه
لاشيء يضعف الحزب سوى الحزب نفسه… لا القرار الحكومي يضعف الحزب، ولا الترحيب العربي والغربي بقرار الحكومة يضعف الحزب، ولا العدو نفسه بكل استهدافاته يضعف الحزب.. مايضعف الحزب هو موقف الحزب .. هذه المظاهر الشوارعية هي التي تضعف الحزب.. هذه التصريحات الارتجالية هي التي تضعف الحزب.. جوقة الزجل هي التي أضعفت وتضعف الحزب.. هذا التوكل السياسي على الآخرين هو الذي يضعف الحزب..
إنّ حزبًا كحزب الله لا تقوده الدراجات النارية، ولا مرتزقة الصوت والصورة ولا زبائن السوق السياسي والمالي.. ما يملكه الحزب يبقيه في سدة السلطة، أو في طليعة المعارضة، ولم يعد بالإمكان الجمع بينهما.
لقد تغيرت كثيرًا الظروف التي اعتاد عليها السياسيون في لبنان، فثمة تحولات جوهرية تستدعي منهم الاستقراء السياسي لا الاستفتاء الشرعي، وعدم التواصل من المنجمين والكهان، وهي تتطلب وعيًا آخر غير مرهون لوعي سابق في حسابات القوة.
ربما الانفلات من طوق العاطفة والعاصفة في آن معًا، نجاة من مزالق كثيرة، وفرصة لتصحيح المسار رغبة في بقاء حزب يملك من أسباب البقاء أكثر مما يملك من أسباب الفناء، كما أنه يملك ربح ما خسره في الحرب وفي السياسة، وهذا ما يدفع به خطوات إلى الوراء كي يتقدم من جديد خطوات واثقة إلى الأمام.
إقرأ أيضا: قرار السلاح بين الدولة وحزب الله..والجيش اللبناني ينفي رواية الإنفجار المقصود في وادي زبقين

