في ظل تعقّد الأزمة اللبنانية وتشعّب مسارات الانهيار، تبقى معضلة سلاح حزب الله في صلب أي حل جدي يُمكن أن يُخرج لبنان من دائرة الانهيار. لم يعد النقاش اليوم يدور فقط حول شرعية هذا السلاح، بل حول جدواه، دوره، ومصيره. ومع مرور الزمن، وتبدّل السياقات الإقليمية والدولية، بات واضحًا أن السلاح الذي شكّل ذات يوم عنصر قوة لحزب الله، تحوّل إلى عبء استراتيجي عليه وعلى بيئته وعلى الدولة برمّتها.
لكن الحلّ لا يكمن في دمج الحزب داخل الجيش، ولا في تحويله إلى “حرس حدود”، ولا حتى في إعادة إنتاج تجربة “الحشد الشعبي” العراقي؛ فكل هذه السيناريوهات تُبقي على جوهر المشكلة: وجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة، واحتفاظ طائفة بسلاح يعلو على الدستور.
من “المقاومة” إلى “الوظيفة المنتهية”
لبنان الرسمي مطالب اليوم بأن يُخرج قضية السلاح من دائرة “المحرّمات الطائفية”، ويعيد تعريفها ضمن إطار وطني جامع: أي سلاح خارج سلطة الدولة هو خطر على السلم الأهلي، وعلى إمكانيات النهوض، وعلى علاقة لبنان بمحيطه العربي والدولي.
الحلّ لا يكمن في دمج الحزب داخل الجيش، ولا في تحويله إلى “حرس حدود”، ولا حتى في إعادة إنتاج تجربة “الحشد الشعبي” العراقي
حزب الله، من جهته، لا يبدو مستعدًا لتسليم سلاحه أو التخلّي عن دوره المسلح طوعًا. لكنه في الواقع يواجه مأزقًا بنيويًا حقيقيًا: فقد انتهت وظيفة السلاح، وأثبتت السنوات الماضية – من 2006 إلى حرب سوريا وصولًا إلى العدوان على غزة – أن هذا السلاح لم يَحمِ لبنان، ولم يمنع الحروب، ولم يُنقذ أحدًا. بل على العكس، جلب العقوبات، والقطيعة العربية، والتدمير التدريجي للبيئة التي يدّعي الدفاع عنها.
إقرأ أيضا: السلاح بيد الدولة أو لا دولة.. الحكومة على مفترق سيادي خطير
بكلام أوضح، لقد هُزِم حزب الله عسكريًا بالمعنى الوظيفي للكلمة. لم يعد يُخيف العدو، ولا يُطمئن الحليف. سلاحه بات معطّلًا استراتيجيًا، واستمراره لا يعني سوى المحافظة على النفوذ القسري، لا الدور الدفاعي.
منطق الهزيمة لا منطق التسوية
الحلول الواقعية يجب أن تنطلق من إقرار الحزب بهزيمته الوظيفية، ومن سقوط كل مبررات الاحتفاظ بالسلاح. وهذا لا يعني إذلاله أو استبعاده عن المعادلة الوطنية، بل إعادة إدماجه في الحياة السياسية كمكوّن مدني – سياسي فقط، من دون أي جناح مسلح.
ولهذا المسار شروطٌ واضحة:
1. نزع شرعية السلاح وطنيًا: إعلان رسمي من الدولة اللبنانية بأن لا سلاح شرعي سوى سلاح الجيش، وأن “حق المقاومة” لم يعد مطروحًا خارج إطار الدولة ومؤسساتها.
2. ربط أي نهوض اقتصادي بتفكيك البنية العسكرية للحزب: لن يضخ المجتمع الدولي دولارًا واحدًا في بلد يُدار فيه الأمن والحدود والمؤسسات من خارج الدولة.
3. محاصرة رمزية السلاح إعلاميًا وسياسيًا: لا بد من تفكيك السردية التي أعطت للسلاح قداسة قومية، وإظهار كيف ساهم في تدمير البلد بدل حمايته.
4. صعود بدائل شيعية مدنية ووطنية: لا يمكن نزع السلاح بدون بديل سياسي داخل البيئة الشيعية يعيد تعريف الكرامة والدفاع والانتماء من خارج منطق البندقية.
5. حشد وطني واسع يفرض هذا المسار سياسيًا وشعبيًا، ويرفض أي مشاركة للحزب في القرار الوطني طالما بقي يحتفظ بسلاحه.
إقرأ أيضا: حصرية السلاح من حصرية السلطة وهنا تكمن المشكلة مع حزب الله
نحو ما بعد حزب الله المسلح
المسألة ليست انتقامًا من الحزب، بل إنقاذًا للبنان. وفي هذا السياق، فإن التخلّي عن السلاح لا يمكن أن يكون خيارًا بين تسوية مريحة أو مقاومة مفتوحة، بل هو نتيجة حتمية لهزيمة استراتيجية واضحة. والسؤال لم يعد “هل سيسلّم الحزب سلاحه؟”، بل “متى يدرك أن فائض القوة تحول إلى فائض خسارة؟”.
لقد هُزِم حزب الله عسكريًا بالمعنى الوظيفي للكلمة. لم يعد يُخيف العدو، ولا يُطمئن الحليف. سلاحه بات معطّلًا استراتيجيًا، واستمراره لا يعني سوى المحافظة على النفوذ القسري، لا الدور الدفاعي
إن المرحلة المقبلة تفرض خطابًا جديدًا: لا مساكنة مع السلاح، ولا تبرير لاستمراره، ولا دمج له بأي صيغة رمادية. لبنان لا يمكن أن يُبنى بسلاح غير شرعي، ولا يمكن أن يتقدّم بظل بندقية تستبيح السيادة عند الطلب.

