هل بدأت تباشير محاولة “هجوم إيراني” مضاد في المنطقة؟ سؤال يطرح نفسه – وقد يكون مثيرًا للسخرية لدى البعض – عقب الإعلان عن قيام “حركة المقاومة الإسلامية في سوريا – أولي البأس”، وذلك في الذكرى السنوية الأولى لبدء إسرائيل عدوانها الواسع على محور الممانعة في المنطقة عبر اغتيال القائد العسكري لحزب الله فؤاد شكر في الضاحية الجنوبية لبيروت، عاصمة “حزب الله” ومعقله الرئيسي، وكذلك رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في عقر دار رأس المحور في طهران.
هذا العدوان شتّت قوى المحور وأصابها بالشلل الجزئي، حيث تم تحييدها بدءًا بحزب الله بعد الهزيمة التي تعرّض لها إثر القضاء على عدد كبير من قياداته الميدانية والسياسية وعلى رأسها السيد حسن نصر الله، ومن ثم الشق العراقي من المحور بعد سلسلة اغتيالات إسرائيلية وتهديدات أميركية بالتصعيد، وصولاً إلى رأس المحور إيران في الحرب الأخيرة عليها، مرورًا بسقوط النظام السوري السابق في أيدي “هيئة تحرير الشام” ألدّ أعداء هذا المحور وأذرعه، وهو الأمر الذي لا يمكن اعتباره صدفة، بل تم عن سابق تصور وتصميم وتخطيط، فالقرارات الكبرى والمفصلية في الصراعات لا تُتخذ عن هوى، بل نتيجة حسابات استراتيجية دقيقة.
أوجه التشابه مع بدايات “حزب الله” في لبنان
ما يُعطي هذا السؤال مشروعية هو الطريقة “المقصودة” – على ما أعتقد – التي تم بها الإعلان عن الحدث، وهي طريقة كل ما فيها يوحي بأن “الكيان الجديد” هو إيراني المنشأ، خطابًا وشعارات وحتى “صورة بصرية” – إذا صحّ التعبير – من تقديم وإلقاء، كما أنه كثير الشبه ببدايات “حزب الله” في لبنان، الذي كان يومها كسوريا اليوم، بلدًا محتلًا تتناتشه القوى الإقليمية وسط الصراع الدولي في المنطقة مع حكومة ضعيفة وميليشيات متعددة، بالرغم من خروجه يومها نتيجة الاجتياح الصهيوني – كما اليوم – من مرحلة ودخوله مرحلة أخرى، مع خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منه، وانتقال القوات السورية من بيروت إلى سهل البقاع، وبداية عهد جديد كان كعهد الرئيس السوري اليوم مدعومًا من قوى الإقليم – باستثناء سوريا يومها للمفارقة – كذلك من دول المعسكر الغربي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
مع فارق مهم وهو أن الساحة الدولية اليوم تبدو خالية لأميركا وربيبتها إسرائيل – أقله في العلن – حيث لا منازع لهما بالمباشر في خططهما للمنطقة، بعكس ما كان سائدًا يومها، خاصة مع تولي يوري أندروبوف السلطة في الاتحاد السوفياتي السابق بعد وفاة “القيصر الشيوعي” ليونيد بريجنيف، وما تركه هذا التغيير من تداعيات على التطورات في المنطقة يومها.
هذا الإعلان يأتي أيضًا في ظل الضغط الدولي والإقليمي والحصار الشامل الذي يتعرض له “حزب الله” ومن ورائه لبنان لنزع السلاح وحصره بالقوى الشرعية اللبنانية، وهي ضغوط تتصاعد وتتكامل مع تواصل الاعتداءات الصهيونية شبه اليومية من قصف واغتيالات، ما دفع الحكومة اللبنانية إلى تحديد جلسة خاصة لبحث هذا الموضوع، مع ما يعنيه هذا الأمر من أن فترة السماح التي أعطيت للعهد الجديد لمقاربة هذا “اللغم” قد قاربت على النهاية، الأمر الذي وضع لبنان – ومعه الحزب أيضًا رغم المكابرة – في عنق زجاجة التطورات والمتغيرات الإقليمية المتسارعة التي ليس لديها “ترف” انتظار لبنان وقراراته لتبني على الشيء مقتضاه.
هل يكون “أولي البأس” هو البديل السوري عن حزب الله اللبناني، الذي يبدو أن ورقته – أقله العسكرية – سقطت من حسابات المنطقة بعد كل المتغيرات؟ أم هو “وصفة” لمجازر جديدة تُرتكب في سوريا بذريعة الفلول؟
الضغوط على حزب الله وإيران وولادة البديل السوري
الجميع يعلم بأن قرار السلاح هو قرار إيراني محض للأسف، في ظل تمسك حزب الله بخطابه وتبعيته السياسية للولي الفقيه في طهران، الذي يسعى لإعادة ترتيب بيته الداخلي بعد الثغرات التي أظهرتها الحرب الأخيرة عليه، كما ترتيب أوراقه في المنطقة لما قد يكون استعدادًا لجولة مقبلة من الصراع، ما دامت الحرب لم تفضِ إلا إلى نتائج ميدانية جزئية – على أهميتها – تمثلت بتدمير البرنامج النووي الإيراني أو تأخيره على أقل تقدير، بينما المطلوب هو تغيير السلوك السياسي والاستراتيجي لطهران في المنطقة.
وهذا ما يعطي التطور الجديد أهمية كبرى، بالرغم من ضغط التطورات وصعوبة الظروف التي تمر بها إيران وأذرعها في المنطقة، إلا أنه لا يبدو أنها ستستسلم بسهولة لهذا الواقع، لأن الاستسلام بالنسبة إليها كما لأذرعها يعني النهاية.
فهل يكون “أولي البأس” هو البديل السوري عن حزب الله اللبناني، الذي يبدو أن ورقته – أقله العسكرية – سقطت من حسابات المنطقة بعد كل المتغيرات؟ أم هو “وصفة” لمجازر جديدة تُرتكب في سوريا بذريعة الفلول؟
وهل يُجَيَّر سلاح حزب الله – بطريقة أو بأخرى – إلى “المولود الإيراني الجديد”، وتكون خطوط الإمداد له تمر بالاتجاه المعاكس لما كان يحصل سابقًا، وذلك عبر التهريب من المعابر غير الشرعية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اندلاع صدامات قد تتطور إلى حرب؟ وماذا سيكون موقف العراق – الضلع الثالث في الموضوع – ودوره في هذه الحال؟
أسئلة قد تبدو غريبة بعض الشيء، لكن التاريخ البعيد والقريب علّمنا بأن الأحداث قد تعيد نفسها، بغض النظر عن النتائج التي ينتظرها البعض منها. ويبقى السؤال الأهم: إذا كان هذا الافتراض – تبنّي إيران لأولي البأس – صحيحًا، تُرى كم 40 عامًا تستطيع إيران والمنطقة وشعوبها أن تتحمل بعد؟ وهل تستطيع أي قوة في العالم أن تستخدم نفس الأساليب ونفس الوسائل ثم تنتظر نتائج أفضل؟
هنا يلعب “الغباء السياسي” دوره، وقد يكون مدمِّرًا هذه المرة.

