في لحظة وداع وطني استثنائي لزياد الرحباني، خطفت جنازته مشهد البلاد وأجّلت ـ ولو مؤقتاً ـ زخم النقاشات السياسية الساخنة. لكن خلف جدران الحزن، كانت أزمات السيادة والقرار الرسمي تتفاقم بصمت. فبعيدًا عن صخب الجنازة، تتكشف ملامح مأزق داخلي متصاعد في ملف سلاح “حزب الله”، وسط ضغط أميركي غير مسبوق، وصمت رسمي يحاول التمويه بالعجز لا التصدّي.
الحدث الأبرز لم يكن فقط في تغريدة السفير الأميركي توم برّاك، بل في ما رافقها من إشارات ميدانية وسياسية، تُظهر أن المهلة الأميركية تُشارف على الانتهاء، وأن صبر الخارج بدأ ينفد حيال “ازدواجية الدولة” في التعامل مع ملف السلاح، ما يضع رئاسة الجمهورية وحكومة نواف سلام في مهبّ الإحراج، وربما الانكشاف الكامل أمام المجتمع الدولي.
الوساطة الأميركية على حافة الفشل
لا تخفي واشنطن امتعاضها من نتائج زيارة موفدها إلى بيروت. السفير برّاك لم يتردد في القول صراحة إن “التصريحات لا تكفي طالما يحتفظ حزب الله بالسلاح”. وأشارت أوساط مطلعة إلى أن ما اعتبره البعض “تشدداً” أميركياً، ما هو إلا ترجمة لتآكل الثقة الدولية بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ تعهداتها.
وبرغم محاولات نواف سلام إقناع باريس بدعم موقف لبنان الرسمي في مجلس الأمن لتجديد ولاية “اليونيفيل” دون تعديلات جوهرية، إلا أن المخاوف تتزايد من أن يفرض الأميركيون تغييراً في قواعد الاشتباك الدولية جنوباً، كترجمة مباشرة لفشل الحوار الداخلي في التقدّم خطوة واحدة في ملف السلاح.
“حزب الله” يصعّد… والسلطة في مأزق الإحراج المزدوج
في مقابل هذا الضغط الدولي، رفع “حزب الله” لهجته ودرجة استعداده العسكري. التقارير عن جهوزيته التامة و”تحفيز عناصره لأي سيناريو” ترافقها مؤشرات ميدانية على الأرض: تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي فوق الجنوب والبقاع، واغتيال عنصرين من “قوة الرضوان” في دبعال، يُترجم عمليًا مرحلة ما بعد برّاك.
وفي هذا السياق، لفتت أوساط مراقبة إلى أن الحزب، برفعه سقف رفضه لأي نقاش في سلاحه، لا يحرج فقط حكومة نواف سلام، بل يوجه رسائل ضغط إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يتابع الحوار مع الحزب بـ”أعصاب باردة” خشية الانفجار، لكن دون نتائج ملموسة حتى الآن.
جنبلاط يدخل مباشرة على خط النزاع…
الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط كسر جدار التحفّظ، وطالب بشكل صريح “حزب الله” بالتخلي عن السلاح الثقيل، محذرًا من أن بقاءه سيجلب الويلات على لبنان. وإذ نفى إمكانية نزعه بالقوة، دعا إلى دعم دولي للجيش اللبناني.
لكن اللافت في كلام جنبلاط، هو تأكيده أن الحكومة اللبنانية قامت بتفكيك جزء كبير من ترسانة الحزب في الجنوب، وأن ما تبقّى “يقع شمال الليطاني”، حيث لا قدرة فعلية للدولة على التحرك. بذلك، يكون جنبلاط قد أضاء على واقع أمني حساس، يفرض على الدولة مواجهة الحقيقة بدل مواصلة سياسة دفن الرأس في الرمال.
تحركات إقليمية في الرياض
في موازاة كل ذلك، كشفت صحيفة “نداء الوطن” عن عقد اجتماع أمني لبناني – سوري في الرياض برعاية سعودية، جمع مدير المخابرات اللبنانية العميد طوني قهوجي بنظيره السوري حسين السلامة.
الاجتماع، الذي ناقش ملفات أمنية حساسة منها ملف الحدود والتوترات المحتملة في السويداء، شكّل مؤشراً على محاولة إقليمية لحصر تداعيات الملف السوري وعدم تركها تُشعل الساحة اللبنانية. ووفق المعلومات، فإن التنسيق سيستمر بإشراف سعودي، ما يعكس اهتماماً خليجياً بمنع انزلاق لبنان إلى مزيد من الفوضى.
والخلاصة ان التطورات الأمنية والسياسية تتقاطع عند لحظة الحقيقة: إما أن تواجه الدولة اللبنانية ملف السلاح بمعالجة جدية وواقعية، أو أن تجد نفسها معزولة أمام المجتمع الدولي الذي بدأ يُلوّح بعواقب ملموسة. لا تزال أبواب الحوار مشرّعة، لكن الوقت يضيق، والضغوط تتزايد، فيما “حزب الله” يبدو مصممًا على التحدي. فهل تملك الدولة ما يكفي من الإرادة والأدوات لتصحيح المعادلة؟ أم أن لبنان دخل فعلاً في مرحلة ما بعد الدولة؟
قرا ايضا: غبار الوساطات يتلاشى… ولبنان على تخوم العاصفة الإقليمية

