معركة كسر خطوط الإمداد في مالي… «أنيفيس» على موعد مع اختبار مصيري

MALII

تتواصل منذ أيام معارك عنيفة في بلدة «أنيفيس» الواقعة شمالي مالي، حيث تخوض القوات المسلحة المالية، مدعومة بعناصر من «الفيلق الإفريقي» الروسي، مواجهات ضارية ضد تحالف عسكري يضم تنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد».

وقد عادت هذه البلدة الصغيرة، القابعة في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، لتتصدر المشهد كأحد أبرز المسارح الاستراتيجية للصراع الدامي بين الطرفين؛ وهو ما يثير تساؤلات مراقبين حول الأهمية العسكرية واللوجستية التي تمنح بلدة بهذا الحجم الصغير هذا الوزن الاستراتيجي في خارطة النفوذ والسيطرة بالمنطقة، وفق تقرير لشبكة «بي بي سي».

حسم عسكري في أنيفيس

حققت القوات المالية وحلفاؤها الروس تقدماً عسكرياً حاسماً بالوصول إلى «أنيفيس» الاستراتيجية بعد أيام من القتال العنيف، حيث انطلق رتل عسكري من مدينة «غاو» في 7 يوليو/تموز ليصل إلى «أنيفيس» في وقت متأخر من مساء 9 يوليو/تموز، بعد تعرضه لهجمات مستمرة من مقاتلي «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة».

وكان الرتل يحمل تعزيزات للقوات الحكومية المتمركزة في البلدة التابعة لإقليم «كيدال» المضطرب، الذي يعد معقلاً تاريخياً للجماعات الانفصالية والمتشددة. وأسفرت المواجهات العنيفة عن سقوط ضحايا من الجانبين، بالإضافة إلى تدمير عدد من العربات المدرعة وسيارات الدفع الرباعي.

أنيفيس.. شريان الإمداد الاستراتيجي

وتكمن أهمية «أنيفيس»، الواقعة على بعد 110 كم جنوب غرب كيدال و330 كم شمال شرق غاو، في اختراق الطريق الوطني رقم 18 لها، وهو المحور الاستراتيجي الرابط بين غاو وكيدال.

كما تتحكم البلدة في الممر البري الرئيس بين وادي النيجر وجبال «أدرار إيفوغاس»، ما يجعلها مركزاً لوجستياً يربط القواعد الحكومية في غاو بالشمال الشرقي. ويمثل هذا الممر نقطة ارتكاز لا غنى عنها للجيش المالي لتأمين خطوط إمداد حاميات الشمال وتسيير القوافل في بيئة صحراوية شاسعة ومحدودة البنية التحتية.

وفي المقابل، تحظى البلدة بالأهمية الاستراتيجية ذاتها لدى «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام»، إذ يمثل التحكم بها وسيلة لقطع الطريق البري الرئيس أمام القوات الحكومية لمنعها من الوصول إلى كيدال، ما يمنحهما ميزة عملياتية هائلة في بيئة صحراوية تقل فيها المسارات السالكة.

خريطة تظهر موقع “مالي” الاستراتيجي

ومن هنا، يتضح أن قيمة «أنيفيس» لا تكمن في حجمها السكاني، بل في موقعها الجغرافي الذي جعلها العقدة اللوجستية للتحركات العسكرية بين غاو وكيدال وأجيلهوك وتيساليت.

معركة كسر خطوط الإمداد

وتدور رحى هذه المعركة أساساً حول «خطوط الإمداد»، حيث يعتمد المعسكر العسكري المحصن للجيش في «أنيفيس» على تدفق الذخيرة والوقود والمؤن، ويبدو أن المجموعات المسلحة تسعى من خلال هجماتها الأخيرة إلى عزل هذا الموقع بدلاً من مجرد اقتحامه، وكسر القدرة اللوجستية للجيش المالي في كامل منطقة كيدال، ما سيعقد أي محاولة حكومية لاستعادة زمام المبادرة في الشمال.

وعلاوة على ذلك، تواجه القوافل البرية القادمة من غاو مقاومة عنيفة، في حين تواجه العمليات الجوية صعوبات بسبب نيران المدفعية والطائرات المسيرة. وعلى العكس، إذا نجحت باماكو في الحفاظ على البلدة، فستضمن قاعدة متقدمة لدعم أي عمليات مستقبلية نحو كيدال.

وقد تضاعفت أهمية «أنيفيس» منذ انهيار اتفاق الجزائر للسلام واستئناف القتال الشامل عام 2023؛ فحينما سيطرت القوات المالية مدعومة بعناصر من مجموعة «فاغنر» الروسية على كيدال أواخر 2023، اعتمد تقدمها على تأمين ممر «غاو-أنفيس-كيدال»، لتصبح البلدة من يومها قاعدة عمليات متقدمة لحماية كيدال ومنطقة تجميع للقوات المتجهة نحو جبال إيفوغاس.

معركة أنيفيس.. اختبار الحسم

ويرى هيني نسايبيا، المحلل في منظمة «أكليد» لبيانات النزاعات، أن المعركة الحالية تمثل اختباراً حاسماً للطرفين، فإذا تمكن تحالف «نصرة الإسلام – جبهة أزواد» من السيطرة على «أنيفيس»، فإن الموقع الحكومي الأخير في «أجيلهوك» سيصبح معزولاً تماماً، وسيتوقف إمداده بالكامل على النقل الجوي بدلاً من الممرات البرية الآمنة.

وقد تحدد التطورات الجارية للمعارك حول «أنيفيس» مستقبل المنطقة على المديين المتوسط والبعيد، فنجاح باماكو في الاحتفاظ بالبلدة يضمن لها الحفاظ على الحد الأدنى من العمق الاستراتيجي في إقليم كيدال، ويبرهن على قدرة الجيش المالي – رغم الهجمات المنسقة لجماعة نصرة الإسلام وجبهة تحرير أزواد – على التمسك بقواعده العسكرية المتقدمة.

في المقابل، فإن سيطرة تحالف «نصرة الإسلام – جبهة أزواد» على «أنيفيس» لن تقتصر على تعزيز نفوذه الميداني في كيدال وإبعاد القوات الحكومية عن «الأزواد» فحسب، بل ستشكل انتصاراً عسكرياً وسياسياً مدوياً، يعكس قدرة التنظيمين على تنسيق عمليات معقدة وإدارة استراتيجية استنزاف طويلة الأمد ضد القوات الحكومية.

ولا يقل الرهان أهمية بالنسبة لعناصر «الفيلق الإفريقي» الروسي، الشريك العسكري للحكومة المالية في هذه المواجهة، إذ إن خسارة «أنيفيس» قد تثير تساؤلات حادة وشكوكاً حول مدى فاعلية القدرات الروسية في مساعدة مالي على تحييد التهديدات متعددة الأوجه المحدقة بأراضيها.

السابق
الولايات المتحدة تطالب إيران بإعلان رسمي يؤكد فتح مضيق هرمز