في ظل تصلب موقف “حزب الله” الرافض لأي تفاوض على سلاحه، عاد الملف اللبناني ليحتل واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي. وبعد ثلاث زيارات غير مثمرة للموفد الأميركي توم برّاك إلى بيروت، وتصعيد اللهجة الإسرائيلية مؤخرًا إلى حد التهديد المباشر بضرب “أي مستوى من قيادة حزب الله”، تبدو الساحة اللبنانية أمام خيارات أحلاها مرّ، تتراوح بين انسداد سياسي كامل، وضغوط دولية متصاعدة قد تفضي إلى تدويل، أو اندلاع حرب شاملة لا تبقي ولا تذر.
لكن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير ليس تسوية ولا حربًا، بل ما يمكن تسميته بـ”الركود العنيف”، أي استمرار الانفجار الصامت، وتآكل الدولة اللبنانية من الداخل.
لا تسوية ولا حرب
يميل هذا السيناريو إلى فرض نفسه باعتباره النتيجة الواقعية لميزان القوى الحالي. فـ”حزب الله” ثابت على موقفه الرافض لنزع سلاحه أو حتى التفاوض عليه، معتبرًا أن السلاح ضمانة وجودية في وجه إسرائيل وأداة نفوذ إقليمي. في المقابل، فإن إسرائيل رغم تهديداتها، تدرك أن كلفة الحرب الشاملة على جبهتها الشمالية ستكون باهظة، خصوصًا في ظل انكشاف جبهتها الداخلية وتراجع القدرة على تحمّل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لأي مواجهة طويلة.
من هنا، يتوقع استمرار التوتر على الحدود الجنوبية: قصف متبادل، حرب أعصاب، اغتيالات موضعية أو عمليات محدودة، كلها ضمن هامش الصراع دون الانزلاق إلى الحرب المفتوحة.
وفي الداخل، سيستمر حزب الله بمحاولة ترميم منظومته العسكرية، بينما تغرق الدولة اللبنانية أكثر فأكثر في الشلل. لا مؤسسات فاعلة، لا انتخابات في الأفق، لا رئيس للجمهورية، ولا قدرة على اتخاذ قرارات سيادية. الركود يتحول تدريجًا إلى تآكل.
الانقسام الداخلي والتدويل
إذا استمر الرفض المطلق للحزب في بحث سلاحه، فإن الانقسام الداخلي مرشّح لأن يزداد حدّة. التيارات الداعية إلى “الدولة الواحدة والسلاح الشرعي” لن تبقى صامتة، وقد تبدأ بالمطالبة العلنية بإعادة النظر في “اتفاق الطائف” أو حتى بنية النظام اللبناني نفسه، في ظل شعور متزايد بالعجز الوطني أمام نفوذ الحزب الذي يستند إلى قوة غير متوازنة مع بقية القوى.
هذا الانقسام سينعكس على موقع حلفاء الحزب، خصوصًا نبيه بري، الذي يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة من المعارضة ومن المجتمع الدولي على حد سواء، وسيُطلب منه موقف أكثر وضوحًا تجاه السلاح والقرارات السيادية.
في هذه الأثناء، بدأت تتضح معالم تدويل تدريجي للأزمة:
فرنسا والولايات المتحدة تنظران في تعديل مهمات “اليونيفيل” بموجب الفصل السابع.
حديث خلف الكواليس عن ضرورة صدور قرار دولي جديد يضع قيودًا أكثر صرامة على تحركات الحزب في الجنوب وربما في الداخل.
احتمال ظهور مسار تفاوضي غير مباشر، على شاكلة مفاوضات ترسيم الحدود، لكن هذه المرة حول “الترتيبات الأمنية” على الأراضي اللبنانية.
حرب شاملة جديدة – خيار أخير لكنه حاضر
ورغم صعوبة اندلاعها الفوري، فإن الحرب الشاملة تبقى احتمالًا لا يمكن استبعاده، خصوصًا إذا أقدمت إسرائيل على تنفيذ تهديدها بضرب “أي مستوى من قيادة حزب الله” في حال شعرت بخطر داهم. في هذه الحالة، سيكون الرد مفتوحًا على كل الجبهات.
ويبقى السيناريو العسكري هو الذي يخشى منه، ولكنه مع الاسف ترجّحه غالبية المصادر اللبنانية والخارجية، ويقوم على فرضية اطلاق آلاف الصواريخ من قبل حزب الله على مدن إسرائيلية، يقابله تدخل بري محدود إسرائيلي، وربما اشتباك على الحدود السورية.
لكن هذه الحرب، رغم عنفها، قد لا تنهي المعادلة، بل تثبت توازن الرعب القائم، وتجعل إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي في لبنان أكثر استحالة.
والخلاصة هي انه بين ركود قاتل، وتدويل زاحف، واحتمال انفجار، يقف لبنان على حافة الفراغ. لم تعد الدولة قادرة على المبادرة، ولا المجتمع الدولي راغبًا في تمويل نظام مشلول، ولا حزب الله مستعدًا للتنازل. لكن الثابت أن لبنان لم يعد يملك ترف الانتظار. فالزمن في غير صالحه، وما كان يمرّ كأزمة مزمنة، بات الآن نزيفًا استراتيجيًا يهدد الكيان كله.
قرأ أيضا: سلاح الحزب بين الضغط الدولي والجمود اللبناني: اختبار السيادة يتعمّق

