في ظلّ تصاعد الأعتراضات والتحذيرات الأميركي تعيش الحكومة العراقية لحظة سياسية حساسة تُهدد بنسف معادلة التوازن الهش التي حكمت العلاقات بين الدولة والفصائل المقاومة منذ أعوام وباتت بغداد أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما مكلف وهو دمج الحشد الشعبي ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية أو تفكيكه وإنهاء وجوده كمؤسسة شبه مستقلة.
و لكن أيًّا من هذين الخيارين لا يبدو قابلًا للتطبيق الفوري فعلى الأرض لا تزال بعض ألوية الحشد الشعبي تتصرف بشكل مستقل بعيدًا عن الأوامر المركزية في وقتٍ تزداد فيه الشكوك بشأن ولاء بعض الفصائل العراقية وتنفيذ أجندات إقليمية قد تقوّض السيادة العراقية وتجر البلاد إلى صراعات خارجية.
حادثة “مديرية الزراعة”: أكثر من مجرد إشتباكات
و حيث أن إندلع الأشتباكات الذي هزّت العاصمة بغداد في مطلع الأسبوع الجاري عند مبنى مديرية الزراعة في منطقة السيّدية، حين أقتحمت قوة مسلحة تنتمي إلى اللواءين 45 و46 التابعين للحشد الشعبي، المبنى الحكومي، في عملية قالت قيادة العمليات المشتركة إنها جرت دون الأوامر الرسمية وأسفر الهجوم عن سقوط عدد من الضحايا من المدنيين العسكريين مما دفع بالسفارة الأميركية إلى إصدار بيانٍ شديد اللهجة، طالبت فيه في تقديم الجناة وقادتهم إلى العدالة دون تأخير.
ومن جهتها، نفت كتائب حزب الله، وهي إحدى أبرز الفصائل العراقية داخل الحشد الشعبي والمتهمة بالحادثة، مسؤوليتها عن الأشتباكات ، معتبرة أن ما حصل كان نتيجة تصرف فردي من ضابط منفعل. غير أن الرواية الرسمية العراقية أكدت أن القوات المهاجمة تحركت دون تنسيق مع القيادة العسكرية، وأن ما حدث يُعد “تمردًا على أوامر القائد العام للقوات المسلحة”.
الولايات المتحدة الأميركية، رغم تجنبها فرض الضغوط العسكرية على العراق، تمتلك أدوات أقتصادية أقوى وأكثر تأثيرًا، منها التحكم في أحتياطيات العراق من العملة الصعبة – والتي تتجاوز 100 مليار دولار – وقيود على التحويلات المالية بالدولار، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة الاقتصاد العراقي بشكل سريع إذا فُرضت عقوبات.
السوداني: توازن على حافة الانهيار
رئيس الحكومة محمد شياع السوداني حاول، في مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” الأميركية ، أمتصاص غضب الولايات المتحدة الأميركية ، مؤكدًا أن حكومته “أحبطت 29 محاولة هجوم على إسرائيل أنطلقت من داخل العراق”، في إشارة إلى ضبطه للفصائل العراقية خلال الحرب الأخيرة بين طهران وتل أبيب.
لكن ما لم يقله السوداني علنًا، بحسب مصادر سياسية مطلعة، هو أن حكومته تلقت خلال الأيام الماضية تحذيرات مباشرة من الإدارة الأميركية بضرورة إعادة النظر في علاقة الدولة في الحشد الشعبي، ووقف المساعي التشريعية لإقرار قانونه في البرلمان، والذي ترى فيه واشنطن محاولة لـ”تقنين دور الفصائل العراقية تحت غطاء رسمي”.
الآلوسي يكشف: وعود لحل الحشد بعد الإنتخابات
حيث قال النائب السابق وعضو لجنة العلاقات الخارجية السابق، مثال الآلوسي، إن بعض الشخصيات الشيعية “وعدت الإدارة الأميركية، وتحديدًا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحل الحشد الشعبي في حال فوزها برئاسة الحكومة”، لكنه وصف تلك الوعود بأنها “محاولة للالتفاف على المطالب الأميركية وليست موضع ثقة”.
الآلوسي حذّر من أن الولايات المتحدة الأميركية، رغم تجنبها فرض الضغوط العسكرية على العراق، تمتلك أدوات أقتصادية أقوى وأكثر تأثيرًا، منها التحكم في أحتياطيات العراق من العملة الصعبة – والتي تتجاوز 100 مليار دولار – وقيود على التحويلات المالية بالدولار، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة الاقتصاد العراقي بشكل سريع إذا فُرضت عقوبات.
“الإطار التنسيقي”
يرى مراقبون أن الحادثة الأخيرة وضعت “الإطار التنسيقي” الحاكم – الذي يضم معظم القوى والأحزاب السياسية الشيعية – في موقف صعب أمام جمهور الداخل وضغوط الخارج. فمن جهة، بات الشارع العراقي أكثر أنتقادًا للنفوذ المسلح خارج سلطة الدولة، خاصة بعد تكرار الأشتباكات وعمليات فرض الأمر الواقع من قبل بعض الفصائل العراقية . ومن جهة أخرى، هناك ضغط أميركي واضح، ومراقبة دولية دقيقة لأي خطوات تشريعية تتعلق بالحشد.
وحيث إن الخيارات المتاحة أمام الحكومة والإطار التنسيقي محدودة: “إما دمج الحشد الشعبي في الكامل داخل المؤسسات الأمنية، أو تحويل عناصره إلى كوادر مدنية، وكلا الخيارين ترفضه الفصائل بشدة”. وأن واشنطن قد لا ترضى حتى في دمج الحشد الشعبي طالما أن بعض ألوية الحشد الشعبي لا تزال تتصرف خارج الضبط العسكري، “وفي حال تم دمج هذه الفصائل العراقية دون إصلاح جذري، فإن الخروقات قد تتكرر وتزيد”.
التحذيرات الأميركية، إلى جانب الأنقسامات الحشد الشعبي وتصاعد الغضب الشعبي، كلها مؤشرات على دخول البلاد مرحلة جديدة، قد تتسم بـ”الاضطراب الممنهج”، إن لم تُحسن الحكومة إدارة ملف الحشد الشعبي.
مشروع قانون الحشد الشعبي: التصعيد القادم؟
رغم قراءته مرتين في البرلمان، لا تزال الكتل السياسية تتريث في تمرير قانون الحشد الشعبي، خشية من ردود فعل أميركية قد تصل إلى فرض العقوبات على العراق، أو تقييد الدعم المالي والمؤسساتي. و إن التريث جاء بضغط أميركي مباشر، مشيرًا إلى أن “الولايات المتحدة الأميركية ترى في تمرير القانون ترسيخًا لنفوذ إيران داخل العراق”.
وفيما يُنظر إلى القانون بوصفه خطوة شرعية لتنظيم الحشد الشعبي وتوضيح صلاحياته، يعتبره مراقبون “غطاءً قانونيًا لتكريس واقع السلاح المنفلت وتغول الفصائل العراقية داخل مؤسسات الدولة”.
هل نحن أمام مواجهة مؤجلة؟
التحذيرات الأميركية، إلى جانب الأنقسامات الحشد الشعبي وتصاعد الغضب الشعبي، كلها مؤشرات على دخول البلاد مرحلة جديدة، قد تتسم بـ”الاضطراب الممنهج”، إن لم تُحسن الحكومة إدارة ملف الحشد الشعبي. ويقول مثال الآلوسي إن أخطر ما قد تواجهه بغداد ليس الصدام العسكري، بل الشلل الأقتصادي والسياسي، في حال قررت واشنطن التعامل مع الحكومة العراقية كسلطة غير متعاونة مع جهود الاستقرار الإقليمي.
و كما لا يُستبعد أن تبدأ الولايات المتحدة الأميركية في تطبيق العقوبات الفردية على بعض قادة الفصائل العراقية وهو ما قد يؤدي إلى تشظٍ داخلي وتفكك تدريجي لشرعية بعض الكتل السياسية.
أين يتّجه العراق؟
بقدر ما تمثّل الفصائل العراقية جزءًا من معادلة التوازن الأمني في مرحلة ما بعد عام 2014، يبقى العراق معلّقًا بين مشروع دولة يسعى لضبط السلاح تحت سلطة القانون، ومشروع “دولة عميقة” تحتفظ فيه القوى المسلحة بنفوذ مستقل خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وهنا، يبدو أن العراق يقف عند لحظة فارقة: فالمراهنة على “تهدئة مؤقتة” أو تأجيل الحسم لن تكون مجدية على المدى الطويل. فإمّا المضي في خيار دمج الحشد الشعبي ضمن المؤسسات الأمنية الشرعية، أو مواجهة محتومة مع المجتمع الدولي، ما قد يؤدي إلى خسارة العراق لدوره كفاعل سياسي مستقل، يُعوَّل عليه في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
اقرأ أيضا: تل أبيب تصعّد خطاب الحرب وتختبر الصبر اللبناني: لا انسحاب، لا إعمار، لا سلام!

