بعد أيام من العنف الدموي غير المسبوق في محافظة السويداء جنوب سوريا، يسود هدوء حذر المدينة صباح اليوم الأحد، عقب إعلان رسمي بوقف شامل وفوري لإطلاق النار، وتأكيدات من الحكومة السورية على إنهاء الاشتباكات، في حين تطالب الولايات المتحدة بمحاسبة المسؤولين عن الفظائع، وتحث على نزع فتيل الصراع قبل خروجه عن السيطرة.

هدوء بعد العاصفة: انسحاب العشائر وانتشار قوات الأمن
وأعلنت وزارة الداخلية السورية مساء السبت عن إخلاء مدينة السويداء من كافة مقاتلي العشائر، بعد انتشار القوات الأمنية في المنطقتين الشمالية والغربية من المحافظة.
وأكد المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، أنه “تم إيقاف الاشتباكات داخل أحياء المدينة”، في خطوة تهدف لفرض الاستقرار بعد نحو أسبوع من المواجهات التي خلّفت مئات القتلى والجرحى.

بدوره، أعلن مجلس القبائل والعشائر السورية التزامه الكامل باتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى سحب مقاتليه من المدينة امتثالًا لتوجيهات الرئاسة السورية.
إقرأ أيضا: برّاك في بيروت غداً: «الحزب» يصعد ولبنان الرسمي يناور.. وقرار أميركي حازم
في المقابل، سارعت وزارة الصحة إلى إرسال قافلة طبية عاجلة مؤلفة من 20 سيارة إسعاف مجهّزة وفِرق طبية متخصصة، ما يعكس تقدير السلطات لخطورة الأوضاع الإنسانية في المدينة.
الرئاسة تحذر من خرق الاتفاق
في بيان حازم، شدّدت الرئاسة السورية على أن “أي خرق لاتفاق وقف إطلاق النار يُعد انتهاكًا للسيادة الوطنية”، مؤكدة أن الدولة “ستواجه هذا الخرق بما يلزم من إجراءات قانونية وفق الدستور والقوانين النافذة”. كما جدّد الرئيس أحمد الشرع تعهّده بحماية الأقليات ومحاسبة المتورطين في العنف “من أي طرف”.
واشنطن تحذّر وتدعو إلى محاسبة المسؤولين
من جانبها، أعربت الولايات المتحدة عن قلقها الشديد مما وصفته بـ”الفظائع المرتكبة” في السويداء، حيث دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دمشق إلى استخدام نفوذها لمنع تسلل تنظيم داعش والجهاديين إلى المنطقة، مشددًا على ضرورة “محاسبة أي شخص مذنب بارتكاب جرائم، بما في ذلك من هم في صفوف الحكومة”.
إقرأ أيضا: سورية بين شرعين
كما أصدر المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بيانًا عاطفيًا على منصة “إكس”، حذّر فيه من أن سوريا تقف “على حافة الهاوية”. وأشار إلى أن الأعمال الوحشية بين الفصائل المسلحة “تقوّض سلطة الحكومة وتُهدد الاستقرار الهش”، داعيًا الجميع إلى إلقاء السلاح ووقف دوامة الانتقام القبلي، مشددًا أن “السلام والحوار يجب أن يسودا الآن”.
حصيلة ثقيلة: 940 قتيلًا خلال أسبوع
بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، تسببت الاشتباكات الدامية بين فصائل درزية ومسلحين من العشائر البدوية منذ 13 يوليو الجاري في مقتل 940 شخصًا، معظمهم من المدنيين. وقد اندلعت المواجهات على خلفية توترات مزمنة حول السيطرة والنفوذ في المحافظة، وسط اتهامات متبادلة بالتعدّي والانتهاك.
خيط رفيع بين الهدوء والانفجار
رغم الإعلان الرسمي عن الهدنة، لا تزال مخاوف تجدد القتال قائمة في ظل هشاشة الاتفاق وعدم وضوح آلية المحاسبة والتنفيذ، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الدولية والاحتقان المحلي.
كما أن تطور المشهد في السويداء بات يرتبط عضوياً بتوازنات إقليمية أوسع تشمل لبنان، الأردن، وإسرائيل.
حذر إقليمي
وكانت الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في محافظة السويداء السورية خلال الأيام الماضية أثارت موجة من الحذر والترقّب في عدد من العواصم الإقليمية، التي تخوّفت من امتداد الفوضى إلى الحدود المجاورة، وتأثيرها على توازنات داخلية هشة في بعض الدول، خصوصًا لبنان والأردن.
لبنان: استنفار داخل البيئة الدرزية ومخاوف من تسرّب التوتر
في لبنان، تابعت القيادات الدرزية التطورات في السويداء بقلق بالغ، نظرًا للارتباط العائلي والتاريخي بين دروز لبنان وسوريا. وقد أجرى رئيس “اللقاء الديمقراطي” تيمور جنبلاط مشاورات مع مراجع دينية واجتماعية، داعيًا إلى ضبط النفس ومنع انزلاق الموقف إلى حرب أهلية داخل الطائفة.
وأشارت مصادر أمنية لبنانية إلى أن الأجهزة الأمنية رفعت درجة الجهوزية على الحدود الشرقية خشية تسلل مقاتلين أو نازحين نتيجة انهيار الوضع الميداني في السويداء.
الأردن: تعزيزات على الحدود وتحذير من “الفراغ الأمني”
أما في الأردن، فقد عبّرت دوائر رسمية عن مخاوف من تفلّت الوضع في الجنوب السوري، القريب من الحدود الأردنية، لا سيما في ظل وجود خلايا متطرفة قد تستغل الفراغ الأمني. وقد دفعت السلطات الأردنية بتعزيزات إضافية إلى الحدود الشمالية، وسط معلومات عن محاولات تسلل فردية خلال الأيام الماضية.
وأكدت عمان دعمها “لكل جهد يكرّس الاستقرار جنوب سوريا”، مطالبةً دمشق بتحمّل مسؤولياتها في منع انزلاق الأوضاع إلى مزيد من الفوضى.
إسرائيل: ترقب استخباري وتحذير من تمدد الميليشيات
من جهتها، تتابع إسرائيل عن كثب ما يحدث في الجنوب السوري، خصوصاً مع تصاعد القتال قرب المناطق المتاخمة للجولان المحتل.
وعبّر مسؤولون عسكريون في تل أبيب عن خشيتهم من أن “تُستغل الفوضى لتعزيز وجود فصائل موالية لإيران أو مجموعات جهادية” قرب الحدود، ما قد يفرض “تغييراً في قواعد الاشتباك” وفق تقارير إعلامية عبرية.
إقرأ أيضا: السويداء واختبار الدولة الصعب
وأكدت مصادر أمنية إسرائيلية أن الاستخبارات تراقب تحركات “حزب الله” والفصائل الإيرانية في المنطقة، خشية استغلالها للفراغ الأمني الذي خلفته الاشتباكات الأخيرة.
الخليج: دعم للحل السياسي وتحذير من تفكك سوريا
في دول الخليج، صدرت مواقف حذرة تدعو إلى ضبط النفس، وتجنّب التصعيد الطائفي، مع تأكيد على ضرورة العودة إلى مسار الحل السياسي وفق القرار 2254. وقد دعت وزارة الخارجية السعودية إلى “احترام سيادة سوريا وإنهاء النزاعات الداخلية بالحوار”، محذّرة من أن تفكك المؤسسات المركزية سيزيد من فرص تمدد الجماعات المتطرفة.

واوحت ردود الفعل الإقليمية بأن ما يحدث في السويداء لم يعد شأناً محلياً فحسب، بل تحوّل إلى حدث استراتيجي مراقَب عن كثب من القوى المحيطة بسوريا، وسط خشية حقيقية من أن تعيد هذه المحافظة الهادئة سابقًا، رسم خارطة النزاع في الجنوب السوري.
أخيرا يبقى السؤال: هل تنجح دمشق في تثبيت الاستقرار، أم أن ما جرى هو مجرّد هدنة مؤقتة تسبق موجة أعنف من التصعيد؟

