بين التعيينات والتفاهمات ..هل يتحضّر لبنان لمرحلة ما بعد سلاح حزب الله؟

الجيش اللبناني

في ظاهر المشهد، يُخيّل للبعض أن الدولة اللبنانية منهمكة في تعيينات إدارية، وتدوير الزوايا في الخلافات الحكومية حول أسماء الهيئات الناظمة، أو ضبط التوترات الطائفية التي تطاير شررها من السويداء السورية إلى بعض القرى اللبنانية. لكن خلف هذا المشهد الداخلي، تختبئ تحولات أعمق بكثير، تتعلق بلبّ الصراع الإقليمي، وتحديدًا بمصير سلاح “حزب الله”، وترسيم ملامح المرحلة اللبنانية المقبلة ضمن معادلة أمنية – سياسية جديدة ترسمها واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وأنقرة من جهة مقابلة.

فهل نحن أمام لحظة “ترتيب البيت الداخلي” قبل العاصفة الكبرى التي قد تنطلق من الجنوب وتصل إلى عمق بيروت؟ وهل التعيينات التي خاضها مجلس الوزراء هي مجرد إصلاحات إدارية، أم تجهيز مؤسساتي لمنظومة ما بعد الحسم؟

التعيينات الإدارية

قد تبدو التعيينات التي أقرّها مجلس الوزراء في هيئات الطيران المدني والقنب الهندي، وما رافقها من سحب لتعيينات الاتصالات والطاقة، شأناً إدارياً معتاداً، لولا أن توقيتها يأتي في ظل مؤشرات متصاعدة عن قرب اشتعال الجبهة الجنوبية.

مصادر مطلعة تشير إلى أن إصرار الرئيس نواف سلام على تمرير التعيينات رغم اعتراض “القوات اللبنانية”، هو جزء من محاولة “ضبط النبض المؤسساتي” قبل الدخول في مرحلة سياسية وأمنية حساسة، قد تفرض على الدولة إعادة تشكيل الهيئات الرقابية والتنفيذية لتكون متماهية مع مرحلة جديدة، قد يُعاد فيها رسم حدود النفوذ الداخلي، بل وإعادة هيكلة موازين القوى بين المكونات.

لقاءات سياسية وأمنية في الرياض وجدة

الاجتماع الأمني الثلاثي الذي عقد في الرياض مؤخرًا بين مسؤولين لبنانيين وسوريين برعاية سعودية، هو أكثر من مجرد متابعة لاتفاق سابق. فوفق معلومات “النهار”، جرى نقاش معمق حول ملفات أمنية وسيادية، تتصل مباشرة بكيفية احتواء تمدد الفوضى عبر الحدود، وضبط الجبهة الشرقية.

لكن خلف النقاش الأمني، طُرحت أسئلة جوهرية:

ما مصير الدور المسلح لحزب الله؟ وهل يمكن ترتيب انسحابه التدريجي من بعض الساحات الداخلية؟

بعض المشاركين في اللقاء ألمحوا إلى أن أحد أهداف الحوار هو تفادي انفجار داخلي شامل، إذا ما قررت إسرائيل تنفيذ ضربتها، وأن التنسيق السوري – اللبناني – السعودي هو لشراء الوقت، لا أكثر.

الرهانات الأميركية – الإسرائيلية: لا تسويات من دون نزع السلاح

التحركات الدبلوماسية والتسريبات الأميركية في الأيام الأخيرة تؤكد أن التوجه داخل واشنطن هو نحو نزع السلاح الثقيل من يد حزب الله بأي ثمن. وتشير مصادر مطلعة إلى أن إدارة بايدن – وتحت ضغط من “اللوبي اليهودي” – باتت أقرب إلى خيار ترك إسرائيل تنفذ ضربة كبرى، إذا لم يرضخ الحزب لشروط “التفاهم الإقليمي الجديد”.

ويأتي هذا في وقت تؤكد فيه تقارير استخباراتية أن إيران وحزب الله حسمتا أمرهما بالمواجهة، وليس بالتفاوض، مما يجعل الخريف المقبل، وفق دوائر القرار الأميركي، موعدًا مفصليًا للحسم، إما “طوعًا أو بالقوة”، كما تقول الأوساط المطلعة في واشنطن.

لبنان أمام مفترق

على وقع هذه المعطيات، يبدو الداخل اللبناني هشًّا بشكل غير مسبوق. فتداعيات أحداث السويداء سرعان ما انسحبت على المناطق ذات الغالبية الدرزية والسنية في لبنان، ما استدعى استنفاراً أمنياً وقرارات من بلديات كبرى مثل عاليه لمنع تجول السوريين ليلاً، خشية انتقال “الفتنة السورية” إلى الشارع اللبناني.

وفي ظل هذه الأجواء، برز موقف رئيس الحكومة نواف سلام الذي دعا إلى “تفادي الفتنة”، فيما تحرك الحزب التقدمي الاشتراكي، عبر النائب تيمور جنبلاط، للتأكيد على دعم الجيش وتثبيت الاستقرار. لكن هذه الخطوات، وإن كانت ضرورية، لا تبدو كافية لردع العاصفة المقبلة، إذا ما اندلعت شرارتها من الجنوب، أو من دمشق، أو من واشنطن نفسها.

اقرا ايضا: إسرائيل وتركيا: صراع الزعامة على أنقاض النفوذ الإيراني

السابق
استشهاد 14 فلسطينيا في غزة اليوم.. وتقدم في محادثات الهدنة
التالي
الجيش: لن نتهاون مع المسّ بالأمن… والمرحلة تتطلب وعيًا ومسؤولية