في قلب جنوب شرق آسيا، يشكّل بحر الصين الجنوبي ساحة نزاع إقليمي متشابكة الأطراف والمصالح، تهدد بأن تتحول إلى نقطة احتكاك قد تكون لها تداعيات خطيرة على الأمن العالمي. هذا البحر شبه المغلق، الذي يربط شرق آسيا بغرب المحيط الهادئ والمحيط الهندي، بات أكثر من مجرّد ممر مائي؛ إنه مركز تجاذب بين الدول المحيطة، والقوى الكبرى، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة.
جغرافيا استراتيجية وثروات مغرية
تبلغ مساحة بحر الصين الجنوبي نحو 3 ملايين كيلومتر مربع، ويضم أرخبيلات متنازع عليها، أبرزها جزر باراسيل وسبراتلي، الغنية بالثروات السمكية والموارد الطبيعية، وتُعتبر ممرًا حيويًا للتجارة العالمية. هذا البحر يجذب أطماع ست دول رئيسية: الصين، فيتنام، الفلبين، تايوان، ماليزيا، وبروناي، وكل منها تطالب بحقوق سيادية على جزء من مياهه أو جُزره.
ما يزيد التعقيد هو الموقع الاستراتيجي للبحر، حيث تمر عبره تجارة تتجاوز قيمتها السنوية 3 تريليونات دولار، وتنتج مياهه أكثر من 16 مليون طن من الأسماك سنويًا، ما يؤمّن دخلاً لأكثر من 3 ملايين شخص في المنطقة. كما تشير تقديرات أميركية إلى أن قاع البحر يحتوي على 18 مليار برميل من النفط و190 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
من الخرائط إلى المحاكم
الصين تعتبر أن لها “حقوقًا تاريخية” في غالبية مساحة البحر. ففي عام 1947، نشرت خريطة تُظهر ما يُعرف بـ”خط الفواصل التسعة”، الذي يمنح بكين السيادة على حوالي 80% من مساحة بحر الصين الجنوبي. هذا الخط يستند، وفق الرواية الصينية، إلى إرث تاريخي يربط الجزر المتنازع عليها بـ”النسيج الوطني الصيني”، وهو ما يتعارض مع ادعاءات فيتنام والفلبين وماليزيا وبروناي، وأيضًا تايوان، التي تصر بكين على اعتبارها “إقليمًا متمرّدًا يجب أن يعود إلى حضن الوطن الأم”.
في عام 2012، رفعت الفلبين دعوى أمام محكمة التحكيم الدولية للطعن في شرعية المطالب الصينية، وجاء الحكم لصالح مانيلا، إذ أكدت المحكمة أنه “لا أساس قانوني” لمطالب الصين ضمن الخط التساعي. لكن بكين قاطعت الجلسات وأعلنت رفضها للقرار، مؤكدة أنه غير مُلزِم لها.
عسكرة البحر وخطوط التماس بين القوى الكبرى
لم تكتفِ الصين برسم الخرائط، بل اتجهت نحو تعزيز وجودها الميداني عبر استصلاح الأراضي، وبناء جزر صناعية، وتحويلها إلى قواعد عسكرية، في ظل تأكيدها أن نواياها “سلمية”. في المقابل، دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط التوتر، معلنة “القلق العميق” من أي محاولات صينية لتقييد حرية الملاحة، ومعتبرة أن تحركات بكين تتعارض مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
واشنطن، بدورها، أجرت عمليات عسكرية استعراضية عبر إرسال سفن وطائرات قرب الجزر المتنازع عليها تحت شعار “عمليات حرية الملاحة”، مبرّرة ذلك بالسعي للحفاظ على انفتاح الممرات المائية والجوية. كما عززت تحالفاتها الدفاعية مع قوى إقليمية مثل الهند، اليابان، وأستراليا، ووسّعت خطابها المناهض لبكين، من ملف الإيغور في شينجيانغ إلى قانون الأمن القومي في هونغ كونغ.
التصعيد بلغ ذروته مع تنظيم مناورات عسكرية متزامنة بين الصين والولايات المتحدة في مياه البحر المتنازع عليها، وتبادل الاتهامات بـ”عسكرة” المنطقة، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن تتحول التوترات إلى صدام مباشر.
رهانات الموارد وتوازنات القوة
الرهانات في بحر الصين الجنوبي تتجاوز مجرد السيادة على الجزر؛ إنها معركة على النفط، والغاز، والممرات التجارية، والتفوق الاستراتيجي. دول مثل بروناي وإندونيسيا عرفت تاريخيًا فوائد هذه الثروات؛ فبروناي تُعد من الأعلى دخلًا للفرد في المنطقة بفضل النفط، فيما كانت إندونيسيا سابقًا من كبار المصدرين العالميين للطاقة.
في هذا الإطار، تبدو الصين أكثر ثقة بفضل تفوقها الاقتصادي والعسكري، وهو ما يدفع بعض جيرانها للمطالبة بإشراف دولي على المفاوضات، مع دور أميركي فاعل، الأمر الذي ترفضه بكين بشدة. وبينما تُصر الصين على الحوار الثنائي، تتخوف الدول الأصغر من أن تُفرض عليها شروط غير عادلة بسبب اختلال ميزان القوة.
اتفاقيات جديدة
ردًا على تمدّد الصين، دخلت واشنطن مرحلة تعزيز التحالفات البحرية الدفاعية، وأبرزها اتفاقية “أوكوس” الثلاثية مع بريطانيا وأستراليا، التي تركز بشكل أساسي على الأمن في المحيطين الهادئ والهندي. هذه الاتفاقية تُعد مؤشراً على تحوّل استراتيجي بعيد المدى، يهدف إلى احتواء النفوذ الصيني في آسيا، وإعادة رسم التوازنات البحرية.
اقرا ايضا: هل بدأت الاستجابة لورقة «باراك»؟ حزب الله نحو هيكلية جديدة وإلغاء «وحدة وفيق صفا»!

