سيكولوجيا التضليل الإعلامي عند الممانعة: قراءة في تأثير الأخبار المزيفة على الجمهور..

في زحمة الحرب النفسية التي تشنها الممانعة على جمهورها أولًا، قبل خصومها، تتراكم عشرات الأخبار الكاذبة التي لا تصمد أمام أبسط تحقق صحافي أو حتى عقلاني. أخبارٌ تُساق بلغة الانتصار الساحق، لكنها سرعان ما تنهار أمام كبسة زر واحدة، أو في أحيان كثيرة، بمجرد قراءة متأنية.

أخبار كاذبة!

لنناقش المسألة بالأمثلة: الخبر الذي انتشر عن حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزاء شقيقته التي قُتلت في القصف الإيراني. الخبر مُرفق بصورة يظهر فيها نتنياهو في مشهد جنائزي، ومذيّل بعبارة “تمت المراسم بسرية تامة”. السؤال البديهي: كيف حصلتم على الصورة إن كان الحدث سريًا؟ ومن سرّب هذه السرية الفائقة إلى غرف التحرير التابعة للممانعة؟ لا جواب، فقط عناوين رنّانة، وصورة تعود إلى العام 2015.

وفي خبر آخر إبان الحرب على لبنان، نُشر بشكل واسع أن نتنياهو قد اغتيل، وزوجته سارة قُتلت، وابنه يائير لقي حتفه في عملية نوعية. طبعًا، بعد ساعات قليلة، ظهر نتنياهو في بث مباشر ينفي وجوده في القبر، لكن ماكينة الخبر الكاذب لم تعتذر، ولم تتوقف. وعلى ذات المنوال، انتشر منذ أيام، خبر مقتل أفيخاي أدرعي، ليظهر بعدها في فيديو ساخر من مفبركي الأخبار المزيفة.

ونتذكّر معًا خبر إسقاط طائرات F-35، بل وترافق معها خبر آخر عن “اعترافات الطيارين الإسرائيليين الأسرى في يد القوات الإيرانية”، في مشهد درامي كان ينقصه فقط موسيقى مسلسل هندي. مرّ يوم، يومان، أسبوع، ولم نرَ طيارًا، ولا اعترافًا، ولا حتى حطام طائرة، على الرغم من أن صورة طائرة مدمرة كانت قد انتشرت بكثرة وقيل إنها تعود للطائرة الشبحية B-2!

أما قصة الجنرال الأميركي الذي قُتل في قاعدة العديد بقطر، فهي تصلح فيلمًا خياليًا. إيران أبلغت مسبقًا الدوحة وواشنطن قبل الهجوم بساعات على القاعدة، مما مكن من إخلائها، لكن مشاعر الفرح والانتصار والاحتفال في بعض الساحات وعلى منصات السوشيال ميديا وعند الناس الموالية كانت كبيرة جدًا. أحيانًا أتعاطف معهم، هؤلاء أولاد بيئتي وأنتمي إليهم، فلماذا يتم تشويش أفكارهم بهذا الشكل؟!

إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل الدور الجديد للذكاء الاصطناعي في هذا السِرب. عشرات الفيديوهات انتشرت لدمار حيفا وتل أبيب، بمؤثرات بصرية عالية الجودة تُنتجها حسابات ممانعة، وتُمرّر لجمهور مُتعطّش لأي صورة نصر، حتى لو كانت مزيفة. صور مبانٍ منهارة، حرائق، أعمدة دخان، ورايات صفراء ترتفع من بين الأنقاض، ليتبيّن لاحقًا أن المشهد من صنع أدوات الذكاء الاصطناعي.

لا أنكر وجود بطولات فردية كالفيديو الذي انتشر لمقاتل من الحزب وهو لا ينفك يصوّب نيرانه على الجنود الإسرائيليين حتى قصفته. الحقيقي لا يمكن نكرانه، أما المزيف فيجب الوقوف ضده. إنه آفة اجتماعية مضرة.

والمُلفت أن هذه الأخبار لا تُقدَّم على أنها احتمال، أو تحليل، بل يُساق الكذب فيها بثقة العارف، ويُروَّج عبر منابر حزبية وشخصيات تُقدَّم على أنها مصادر موثوقة. عشرات المؤثرين والمواقع الرخيصة التي تروّج الأخبار عبر جروبات الواتساب ومنصات السوشيال ميديا. وهم يعلمون أن الكذبة لا تموت بموتها، بل تُدفن تحت كذبة جديدة، ويُطلب من الجمهور أن يواصل التصديق، لا التفكير.

جيش من المحللين السياسيين المتلاعبين بالعقول!

لا يكتفي “محور” الممانعة بصناعة الأخبار الزائفة فحسب، بل يعتمد كذلك على شبكة معقدة من المحللين السياسيين والصحافيين، يعملون كواجهة لتمرير وتكرار سرديات مفبركة، تغذيها الإذاعات والقنوات والصحف التابعة للبيئة الحاضنة. هؤلاء يظهرون بثقة مطلقة، فينقلون الأكاذيب ويمثلونها على أنها حقائق لا تقبل النقاش.

والأمثلة تعد ولا تحصى. بدءًا من سالم زهران حين تحدث قبل أشهر عن تأمين آلاف المدارس للنازحين للإيواء، وعن توافر خطة معدة سلفًا. وعدٌ جرى تداوله على أنه إنجاز، حتى اكتُشف لاحقًا عدم وجود أي مشروع حقيقي بهذا الحجم؛ لا مدارس افتتحت، وتبهدلت الناس. أما ناصر قنديل، وكلامه عن قدرات المحور وإيران، وصولًا إلى تدمير تل أبيب بكبسة زر، ليتضح لاحقًا أنها فقط شعارات وتصريحات استعراضية لا تستند إلى أي خطة أو أسلوب نُفذ على أرض الواقع.

هؤلاء المحللون غالبًا ما يضفون مصداقية زائفة باللجوء إلى خطاب تحليلي مزعوم، مستخدمين مصطلحات فخمة وأرقامًا مبالغًا فيها، يتوزّعون بين برامج الصباح والمساء، ويُعاد تدوير كلامهم بلا توقف؛ حتى يصبح وقع الكذبة أصدق من الحقيقة. اليوم، خرج المرشد الإيراني ليحتفل بالنصر المزعوم وهزيمة إسرائيل، والتي حسب قوله “كانت على وشك الانهيار لو لم تتدخل أميركا”.

ترد الأخبار على لسان كثيرين وتنتشر في البيئة الشيعية على شاكلة: “الجنود الإسرائيليون يذهبون إلى مصحات عقلية”، وكأن توفر هكذا خدمات في إسرائيل هو عيب! على العكس، المشكلة في الدول التي لا تؤمن فيها الدولة مراكز صحية لمواطنيها ليتعالجوا من آثار الحرب المدمرة كما حصل مع اللبنانيين.

السرديات الزائفة: بين الخيال والواقع!

في عالم صناعة المحتوى الزائف، تلعب السرديات الكبرى دورًا محوريًا في تشكيل وعي الجمهور وتوجيه مشاعره نحو قراءة مزوّرة للواقع. الممانعة تداولت وروجت عدة سرديات كبرى عن إسرائيل، ولا زالت حتى اليوم تسير على نفس النهج، دون أي مقدرة على النقد الذاتي، رأفة بها وبنا وبجمهورها.

لكن الوقائع أثبتت أن هذه السرديات في معظمها مغالطات مبنية على أهواء سياسية وأمنية، لا على حقائق ملموسة. سردية احتلال الجليل طُرحت وكأنها هدف يُوشك أن يتحقق، وكأن الممانعة ستعيد الجليل في أيام معدودة، وعلى الدراجات النارية. فماذا كانت النتيجة؟! لا داعي للتذكير، فالكل رأى وسمع وعرف بالنتيجة.

هؤلاء المحللون غالبًا ما يضفون مصداقية زائفة باللجوء إلى خطاب تحليلي مزعوم، مستخدمين مصطلحات فخمة وأرقامًا مبالغًا فيها، يتوزّعون بين برامج الصباح والمساء، ويُعاد تدوير كلامهم بلا توقف؛ حتى يصبح وقع الكذبة أصدق من الحقيقة.

أما تدمير إسرائيل في سبع دقائق ونصف، فهي واحدة من أشهر المبالغات التي تحولت إلى شعار يُرفع. هذه الفكرة تبدو جذابة لمناصري الممانعة، لكنها تفتقد لأي أساس استراتيجي أو عملي، فالدولة العبرية تمتلك منظومات دفاعية متطورة ومتعددة الطبقات تحميها من ضربات خاطفة. الممانعة في شعاراتها لم تنتبه إلى أنها تقاتل الغرب كله، وبأن كفة الحضارة المختلة لصالح الغرب لن تسمح بسقوط إسرائيل. فالصراع في أساسه حضاري بين قوى راكمت تطورًا هائلًا، وبين قوى أخرى تلتهي بدراسة علم الكلام.

قيل أيضًا إن إسرائيل تقف على رجل ونصف، وكأنها في حالة ضعف مزمن، لكن المراقبين العسكريين يشيرون إلى أن الجيش الإسرائيلي يتمتع بعقيدة قتالية صلبة، تتميز بالتخطيط الدقيق والجاهزية العالية، مما يجعل تقديرات الضعف هذه مبالغًا فيها.

سردية أخرى تقول إن إسرائيل لا يمكنها تحمل حرب طويلة، لكن تجارب الصراع منذ السابع من أكتوبر، أظهرت قدرات إسرائيل على استيعاب الصدمات، والتكيّف مع الحروب الممتدة، بفضل اقتصادها القوي وبنيتها التحتية المتقدمة، والدعم الغربي.

ومن هذه السرديات، صورة الجندي الإسرائيلي في مخيلة الممانعين وغير الممانعين، والتي ساهم في بنائها الخطاب الممانع. الصورة تمثل الجنود الإسرائيليين بأنهم جبناء، وأن إسرائيل تخشى موت جنودها أكثر من الخوف من الحرب نفسها. هذه السردية تقلل من حجم الخسائر البشرية التي قدمها الجيش الإسرائيلي في الحرب الأخيرة، وتغفل أن القتال من أجل الأمن الوطني هو قضية حياة أو موت بالنسبة لها، لا يمكن اختزاله في خطاب تحقيري مبسط، والوقائع أثبتت ذلك.

يرتفع الأدرينالين لدى الجماهير فور تلقي الخبر المفبرك، وهذه النتيجة تكفي للآثار التي يتركها، حتى وإن اكتُشف لاحقًا أن الخبر كان زائفًا.

الإسرائيليون لديهم عقائد دينية ربما أصلب من العرب والمسلمين. أي باحث ديني يمكنه معرفة أن الإسرائيليين يتبنون عقائد منها: شعب الله المختار، أرض الميعاد، العقيدة الصهيونية، الدفاع عن الوجود اليهودي بأي ثمن عبر التكتل والأمن الجماعي، الجيش كحامي للأمة، عودة اليهود من أرجاء العالم إلى إسرائيل، وبنية الدولة اليهودية الصافية.

بالإجمال، هذه السرديات المتداولة عن ضعف إسرائيل تبقى أوهامًا إعلامية تسوّق كحقائق، تخدم أجندات سياسية بحتة، لكنها تصطدم يوميًا مع واقع عسكري وأمني مختلف، يعكس قدرة إسرائيل على الصمود، والتكيف، والردع، مهما بلغت حدة المواجهة. الاعتراف أفضل من وضع الرأس في الرمال كالنعامة. الاعتراف يمنحنا المناعة والقدرة على التصرف بعقل، كجماعة شيعية يجب أن تحفظ نفسها وبلدها.

ثمن الأخبار الكاذبة: حصاد الكراهية والانعزال!

يرتفع الأدرينالين لدى الجماهير فور تلقي الخبر المفبرك، وهذه النتيجة تكفي للآثار التي يتركها، حتى وإن اكتُشف لاحقًا أن الخبر كان زائفًا. فبينما يشاهد الملايين الخبر الأول ويتفاعلون معه بحماس، يبقى عدد قليل فقط من يدركون أنه كذبة بعد التحقق والتدقيق. ففي زحمة الأخبار وتدفقها، لا تُتاح الفرصة لمعظم الناس للتمحيص، خصوصًا أن الناس البسيطة تبحث عن انتصارات تُنعش أملهم، حتى لو كانت وهمية. لذلك، لا بد من مكافحة الأخبار الكاذبة.

أما بالنسبة لمن يرغب في الشعور بالانتصارات، فهذا حقه، وأنا لا أسعى لأن أكون رقيبًا على المشاعر الذاتية أو الانطباعات اللحظية. لكنني هنا لأُنبّه إلى التداعيات المدمرة لهذه الظاهرة: التضليل الإعلامي والأخبار المغلوطة تزيد من نسب الجهل لدى الجماهير، تجعلهم يستجيبون كأطفال يصدقون القصة ثم يُحبطون حين تُكشف الحقيقة.

والأخطر من ذلك، أنها خلقت لدى بعض فئات المجتمع الشيعي حقدًا متزايدًا ليس فقط على الآخرين من المكونات اللبنانية، بل على العالم بأسره، وعلى كل من يختلف معهم في الآراء السياسية، مما يعمّق الانقسامات ويعزل الشيعة عن محيطهم بفعل التفكير المسبق بأن هناك مؤامرة كونية تحاك ضدهم.

قرأ أيضا: لماذا لن يسلّم حزب الله سلاحه..وما الذي قد يفعله بدلًا من ذلك؟

السابق
بالفيديو: تطور خطير.. الجيش الإسرائيلي يعلن تنفيذ اجتياح بري «محدّد» داخل جنوب لبنان
التالي
بالفيديو: نتنياهو يهدي ترامب مجسمًا على شكل قاذفة B-2… رمز ديني مغطّى برسالة عسكرية