حزب الله يرفض «ورقة باراك» ويستعد لـ«الأسوأ»..تأهب عسكري ولبنان بين العقوبات والانهيار

مع مغادرة الموفد الأميركي توم باراك بيروت مساء أمس الثلاثاء، تتجه الأنظار إلى الجنوب اللبناني حيث دخل “حزب الله” في حالة تأهب واسعة بعد أيام من التداول العلني والضمني في المبادرة الأميركية التي قدمها باراك، وتقترح “تفكيك بنية حزب الله العسكرية في لبنان” مقابل “ضمانات أمنية شاملة ورفع تدريجي للعقوبات عن لبنان”.

رغم عدم صدور بيان رسمي من الحزب، جاء كلام نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم يوم الاثنين ليقطع الشك باليقين، معلنًا بوضوح رفض الحزب للورقة الأميركية، واصفًا إياها بـ”المشروع الصهيوني المقنّع”. وأكد قاسم أن “سلاح المقاومة ليس موضوع تفاوض”، وأن “الحزب جاهز لكل السيناريوهات بما فيها الحرب الشاملة”.

رد لبناني حذر وملتبس

سلّم لبنان الرسمي، عبر الرؤساء الثلاثة – رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام – ردّه على الورقة الأميركية إلى الموفد الرئاسي توم باراك، وذلك قبيل مغادرته بيروت صباح الثلاثاء. لكن رغم استكمال الشكل البروتوكولي، بقي المضمون طي الكتمان، وسط معلومات متقاطعة عن وجود تباينات في مقاربة الملف داخل الدولة نفسها.

صحيفة النهار نقلت عن مصادر مطّلعة، بأن الرد اللبناني لم يتضمن رفضًا مباشرًا للمبادرة الأميركية، لكنه لم يوافق عليها بالشكل المطروح أيضًا. وبدلًا من ذلك، اقترح الرد “ضرورة التفاهم الداخلي اللبناني قبل أي التزام”، مؤكدًا أن “أي حلّ يجب أن يُبنى على التوافق الوطني لا على الإملاءات الخارجية”.

وفق المعلومات، اقترح الرد الرسمي “صيغة حوارية متدرجة”، تراعي خصوصية الوضع اللبناني و”تحفظ الثوابت السيادية”، وهي عبارة حمّالة أوجه فسّرها البعض بأنها تغطية لرفض “حزب الله” غير القابل للنقاش بأي بند يطال سلاحه.

وفيما أكد قصر بعبدا أن لبنان “منفتح على أي مبادرة تضمن أمنه واستقراره”، شدد نبيه بري على أن “أي حلّ يجب أن يمرّ عبر المؤسسات الدستورية والاتفاق الوطني”، بينما اكتفى نواف سلام بتوصيف الورقة الأميركية بأنها “موضع درس وتدقيق عميق”.

هذا التباين في المواقف فُسِّر في الدوائر الدبلوماسية الغربية على أنه عدم رغبة في المواجهة المباشرة لا مع الحزب ولا مع الأميركيين. وقال دبلوماسي أوروبي بارز إن “الرد اللبناني أقرب إلى المراوحة والرهان على الوقت”، محذرًا من أن واشنطن “لن تنتظر طويلاً، خصوصًا إذا ما قُرئ الموقف اللبناني على أنه تهرّب من المسؤولية”.

وفي السياق نفسه، بدأت تتسرّب معلومات في الإعلام الأميركي عن نية الإدارة الأميركية التلويح بعقوبات فردية على الشخصيات أو الجهات التي تعرقل مسار التفاهمات، في إشارة غير مباشرة إلى “حزب الله” وحلفائه، وربما إلى أطراف رسمية لبنانية “تساير” الممانعة وتُفرمل الانخراط الكامل بالمبادرة.

تأهب في الضاحية

ترافق إعلان الحزب رفضه للمبادرة مع سلسلة تحركات ميدانية لافتة في الضاحية الجنوبية والبقاع، تمثلت في رفع مستوى الجهوزية لدى وحدات التعبئة ومجموعات الدعم اللوجستي، إضافة إلى استدعاء جزئي لعناصر النخبة في “الوعد الصادق” جنوبًا.

وفي خطوة نادرة، أُغلقت بعض الطرق المؤدية إلى مراكز قيادية للحزب أمام حركة المرور المدني، في مؤشر على “استنفار داخلي جدي” تحسّبًا لأي تطورات، سواء على الجبهة الداخلية أو الإسرائيلية.

مصادر أمنية أكدت أن الجيش اللبناني أُبلغ رسميًا بخفض مستوى التنقلات العسكرية في مناطق الجنوب والبقاع، “تفاديًا للاحتكاك”، ما يعكس وجود توتر فعلي قد يكون مرشحًا للتصعيد في أي لحظة.

رفع العقوبات عن “هيئة تحرير الشام”

في خضم هذه الأجواء، تسربت معلومات من دوائر ديبلوماسية أوروبية عن توجه أميركي لـرفع اسم “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا) من لوائح العقوبات، بهدف “خلق توازن ميداني” في شمال سوريا، في مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد، وهو ما اعتبرته طهران “إعلان حرب سياسيًا وأمنيًا”، بحسب مصادر قناة “العالم”.

وفي هذا السياق، يأتي تصعيد حزب الله أيضًا ضمن دائرة القلق الإيراني من متغيرات إقليمية كبرى، تشمل احتمال إعادة تشكيل الخارطة العسكرية والسياسية في سوريا والعراق، بالتوازي مع تعاظم التنسيق الإسرائيلي – الأميركي عشية زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه المرتقب مع الرئيس السابق والحالي دونالد ترامب.

توتر إسرائيلي – إيراني

قبل يوم من لقاء نتنياهو – ترامب، أطلقت إسرائيل سلسلة غارات على أهداف إيرانية في جنوب دمشق وفي دير الزور، ما أدى إلى مقتل عدد من القياديين في “الحرس الثوري”، أحدهم يُعتقد أنه مقرّب من إسماعيل قاآني. وردّت إيران بتهديدات غير مسبوقة على لسان الحرس الثوري، متوعدةً بـ”ضربات مباشرة داخل الأراضي المحتلة”.

التطورات المتلاحقة تُنذر بعودة التوتر الإيراني – الإسرائيلي إلى الواجهة، وربما إلى مواجهة مباشرة، وهو ما يضع لبنان في قلب العاصفة، نظرًا لموقعه الجغرافي ودور “حزب الله” المركزي في معادلة الردع الإيرانية.

ما بعد باراك: اختبار نيات

غادر توم باراك، لكن زيارته فتحت أبوابًا على احتمالات لا يمكن حصرها: من تفاهم غير مكتمل، إلى مواجهة مفتوحة، مرورًا بمسار عقوبات قد تُطيح بما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية، أو تُجبر القوى السياسية على خيارات صعبة بينها إعادة تشكيل السلطة أو تسوية “على الطريقة العراقية”.

حتى الآن، لا تزال واشنطن تلوّح ولا تصعّد، لكن رفع درجة التحذير في السفارة الأميركية، وإلغاء كل الأنشطة الثقافية والدبلوماسية في لبنان خلال الأسبوع المقبل، ليسا تفصيلين هامشيين. إنها رسالة واضحة: “لا عودة إلى الوراء”.

في المقابل، يبدو “حزب الله” مستعدًا للذهاب حتى النهاية في رفض المبادرة، حتى لو تطلّب ذلك مواجهة عسكرية محدودة أو شاملة. أما الدولة اللبنانية، فهي في موقع المتفرج – أو بالأحرى الرهينة – بين منطق الممانعة ومصالح الخارج، وبين سلاح الحزب ومصير الشعب.

إقرأ أيضا: لماذا لن يسلّم حزب الله سلاحه..وما الذي قد يفعله بدلًا من ذلك؟

السابق
سلام من مراكز الامتحانات: رغم التحديات… الدولة تستعيد عافيتها والتلاميذ يصنعون الأمل
التالي
تحليق مكثف فوق البقاع… وإسرائيل تعلن تدمير «وسائل قتالية» قرب لبونة