استمعت مؤخراً الى مقدم أحد البرامج الصباحية، يستغرب فيه إبطال محاكمة راغب علامة، إضافة الى تعليقات الجمهور المتفقة معه.
القضية بدأت عندما سُرِّب حديث مسجّل – دون علم صاحبه – يُظهر فيه راغب علامة شماتة بخبر اغتيال السيد حسن نصرالله. علامة أنكر صحّة التسجيل، لكن سرعان ما تقدّم بعض المحامين بشكاوى قضائية ضده، وطالبوا بمحاكمته على كلام اعتبروه جارحاً، مهيناً، ويستحق العقاب.
وقام بعض الجمهور الغاضب بتكسير مدرسة يملكها علامة نفسه، دون محاسبة.
ما يغيب في هذا المشهد هو السؤال الجوهري:
هل يملك الفرد الحق في التعبير عن رأيه، حتى عندما يكون صادماً أو مخالفاً للسائد؟ أم أن هناك آراء «مسموح بها» وأخرى ممنوعة، بحسب الطائفة والزعيم والمزاج العام؟ّ
ألم يقم جمهور حزب الله بالشماتة باغتيال بشير الجميّل؟ الى حد الدفاع عمّن اغتاله؟ دون محاكمة أحد؟
حالياً عندما أعيدت المحاكمة وتمت المصالحة بين الطرفين، بدأت حملة إعلامية جديدة ركّزت على استنكار القضاء واتهامه بالتقصير. ومع أن القضاء اللبناني غير منزّه عن النقد، إلا ان السؤال الأهم المتوجب طرحه:
حتى ولو كان التسجيل صحيحاً، هل يُعاقَب الإنسان في لبنان على شماتته أو غضبه أو تعبيره عن رأي مخالف؟ وهل يتحول الزعماء – الدينيون أو السياسيون – إلى شخصيات «مقدّسة» يُمنع انتقادَها أو معارضَتها أو السخرية منها، ولو ضمنياً؟
التركيز في هذه القضية على القضاء، وعلى عجزه وانحيازه أو عدم استقلاليته، صحيح. فالقضاء اللبناني، كما هو معلوم، لم يستعد بعد موقعه كسلطة مستقلة ومحترمة، بل لا يزال رهينة التدخلات السياسية والطائفية والمصالح والضغوط.
لكن الخطورة لا تكمن فقط في أداء القضاء، بل في أن هناك بيئة اجتماعية – أمنية – حزبية تسمح لنفسها بأن تلاحق الأفراد وتدينَهم وتخوّنهم فقط لأنهم خالفوا الرأي السائد، أو “قواعد الطائفة”، أو عبّروا عن موقف لا يتوافق مع الإجماع الطائفي.
صرنا في بلد يعيش حرية التعبير على الورق!
بلد يبدو أن بعض الزعماء فيه أصبحوا “مقدّسين” لا يجوز نقدهم، لا سيما إذا كان المُنتقِد “من أبناء الطائفة نفسها”. كما لو أن على كل شيعي أن يمدح قيادته، وعلى كل ماروني أن يُمجّد زعيمه، وكل سني لا يخرج عن جماعته.
وهنا الخطر الحقيقي: تحوّل التعبير المختلف عن الرأي إلى “خيانة طائفية”، ومعه يختفي الرأي الحر، ويظهر القمع والتكفير السياسي تحت ستار “الغيرة على المقدسات”.
هذا ليس تبريراً لما قاله علامة وهو الذي يلوّن مواقفه بحسب المراحل، أو لأي شكل من أشكال التشفّي بالموت، بل دعوة إلى العدل في المعايير:
إما أن نسمح بحرية الرأي للجميع، أو نمنع الجميع من التجاوز.
إما أن نحمي الكل، أو نسقط جميعاً في فخ الطغيان الطائفي.
ينبغي أن نحاكم على أساس القانون، لا على أساس «حرمة الزعيم».
الدستور اللبناني، في مادته الثالثة عشر، ينص بوضوح على أن «حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة، وحرية الطباعة، وحرية الاجتماع، وحرية تأليف الجمعيات مكفولة ضمن دائرة القانون».
القانون لا يجرّم الرأي بذاته، بل يضع قيوداً عندما يُترجَم هذا الرأي إلى تحريض مباشَر على العنف، أو تهديد، أو ازدراء طائفي صريح.
ما قاله راغب علامة قد لا يُعجب البعض، وقد يستحق اللوم، لكنه لا يستحق المحاكمة.
والأخطر من ذلك أن تُستخدم هذه القضايا لإرهاب الناس، وإعادة تكريس الطاعة الجماعية باسم الدين أو المقاومة أو الأخلاق.
قضية راغب علامة ليست فريدة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من قمع مباشَر وغير مباشَر للرأي المختلف.

