يقول هيغل إن التاريخ يعلمنا أن البشر لا يتعلمون شيئًا من التاريخ، ويعتقد مونتسكيو أنه لا توجد أمة يمكن أن تبقى جاهلة بتاريخها ثم تتوقع أن تفهم حاضرها أو تصنع مستقبلها، في حين يرى المسعودي أن ما من علم أنفع من التاريخ لمن أراد الاعتبار، أما صاحب مزرعة الحيوان جورج أورويل فكتب أن من يسيطر على الماضي، يسيطر على المستقبل، واعتبر دوغلاس ماك آرثر أن التاريخ يعلمنا أن أعظم الأمم تسقط من داخلها، لا من الخارج. في حين ينصحنا عبد الرحمن بدوي قائلاً: إن التاريخ أخطر من أن نتركه في يد الساسة وحدهم!
ثقافة الخنوع تحت حراب الاستبداد
يعيش مثقفو جغرافيا الاستبداد من جماعات “خلّي السلاح صاحي”… و”راجعين بقوة السلاح”… و”يا جمال يا حبيب الملايين” التي أصبحت ملاليم، في حين هزمتهم حكومة امرأة عجوز ووزير دفاع أعور في ست ساعات عام 1967، وللتخفيف عن أنفسهم قالوا في ستة أيام كي يبرروا خطاب التنحي -الملغوم الارتدادي- الذي كتبه هيكل ما غيره للزعيم الخالد ما غيره، عبر هزائم كبيرة وصغيرة وانتصارات مؤدلجة ومؤجلة، هذا إذا كان هناك أي انتصارات في تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم المفترض والافتراضي.
فمعظم مثقفي مناطق الاستبداد، والسلطات الخشبية، عُوِّدوا على العيش عبر الصمت الذي يتكاثف مثل غبارٍ على نوافذ اللغة، لغة لا تعلل غيابها، ولا تعلن عن وجودها، في جغرافيا الضلال والكذب والتغريب الإيرانية التي يمارسها صبيان التوتاليتارية الحاكمة الجدد في هذا الزمن البائس، بحفنة من دولارات الإمبريالية العالمية، حيث إن عملة جغرافيا الدولة النقدية التي يخدمون في مزارعها السياسية ليس لها من سوق صرف في السوق غير التبييض والتهريب.
سوّد الله وجوههم ومسيرتهم في هذه الحقبات السوداء وراياتها المزورة باسم التاريخ والموروث والبيت والآل بيت، الذي استطاع المجرم نتنياهو وحكومته الهجينة شبه المفككة من هزيمة الإمبراطورية الفارسية في عصر “الولي الفقيه” علي خامنئي ما غيره، بأربع ساعات عبر هجوم غير مباغت في ساعات الفجر الأولى، ساعات صلاة الفجر، التي يجب على ملالي إيران أن يكونوا مستعدين لها وأن تكون صلاتهم خالصة لله كما هي، والصلاة والسلام على النبي، وليس الكذب على الله وأنبياء الله ورسله وكتبه!
المثقفون بين وهم النقد والتواطؤ
كتب إدغار موران: “الفكر الذي لا يربط بين الأشياء لا يرى شيئًا.”. مثقفو جغرافيا الاستبداد المعاصر يملكون ناصية التفكيك، لكنهم عاجزون عن التكوين والتجميع والنقد؛ يجيدون التحليل الذي يخدم مشغّليهم الجدد، لكنهم لا يملكون خيالًا سياسيًا يعيد تشكيل الأفق، كلما ازداد وعيهم بالانسدادات، كلما ترسّخوا في موقع “المهرجين” لا “الحقيقيين”، وفي أحيانٍ كثيرة، يتحوّل النقد إلى طقس لغوي يُعيد إنتاج العجز بلغة أنيقة… صار التفكيك غايةً لا مقدّمة، والاحتمال بديلاً للقرار، والوعي لعنةً تمارس نقدها على كل شيء، بما في ذلك قدرتها على التغيير. وفي قلب هذا الليل الطويل، نشأت طبقة من المثقفين الانتهازيين المنمّقين: وجوه معتادة في مؤتمرات التهليل والتصفيق والكذب على أنفسهم… قبل الكذب على الناس… مُحاضرون في قاعات بلا أبواب ولا نوافذ. لقد امتصت سلطة الاستبداد الخشبية دور المثقفين، لا بقمعهم، بل بمنحهم مساحةً تُشبه الحرية، لكنها في الحقيقة شكلٌ من أشكال الاحتواء… تُقدَّم لهم منابر وندوات وشهادات و”مقاعد مدفوعة”. لم تُسكت سلطة جغرافيا الاستبداد صوت المثقفين، بل جعلته جزءًا من آلاتها الرمزية من الطبول والمزامير التي تحتل الشاشات… شاهدة على خوائها وكذبها “المقدس”. اعتمدت نظرية “ولاية الفقيه” الإيرانية سياسة “الألغاز في الطلاسم، والطلاسم في الألغاز”، وصعوبة فهم أو فك ألغاز الطلاسم السياسية الإيرانية منذ ظهور نظام ولاية الفقيه والتورية السياسية الفقهية الإلهية “المقدّسة”… إلى مسميات مثل الشيطان الأصغر والشيطان الأكبر، والتحالفات العميقة الغادرة، وكذبة البرنامج النووي الإيراني لأغراض سلمية، دون ذكر الوقائع والتداعيات التي اقتربت من إنتاج قنابل نووية صغيرة ومتوسطة الحجم.
استطاع المجرم نتنياهو وحكومته الهجينة شبه المفككة من هزيمة الإمبراطورية الفارسية في عصر “الولي الفقيه” علي خامنئي ما غيره، بأربع ساعات
العداء المسرحي والمصالح السرية
من الألغاز الإيرانية التي ما زالت حتى أيامنا المفصلية هذه عصية على الفهم أو الفك أو الحل، أن إسرائيل لم تبدأ في النظر إلى إيران باعتبارها تشكّل “تهديدًا استراتيجيًا” حتى وقت متأخر من التسعينيات. وفي إحدى المرات، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحائز على جائزة نوبل للسلام، إسحاق رابين، إيران بأنها واحدة من “أفضل أصدقاء” إسرائيل؛ لكن في غضون سنوات قليلة غيّر لهجته، واصفًا الخميني بأنه يقود “نظامًا ظلاميًا وقاتلًا”. وعلى الرغم من حقيقة أن الدولتين لا تشتركان في حدود، وتبعدان أكثر من 1000 ميل عن بعضهما البعض، فإن مساعي إيران لحيازة أسلحة نووية أجّجت التوتر بين الجانبين، رغم استمرار التعاون العسكري لسنوات عدة، إذ لجأت إيران إلى إسرائيل لتسليحها خلال حربها مع العراق. شمل التعاون مشروع “فلاور”، والذي بموجبه اشترت إيران تكنولوجيا الصواريخ من الإسرائيليين، بعد أن اشترى العراقيون صواريخ سكود الباليستية.
في كتابها إسرائيل وإيران: خصومة خطيرة، كتبت داليا داسا كاي أنّ «سياسة إيران الخارجية في مرحلة ما بعد الثورة كانت في البداية مفرطة في الحماس وأيديولوجية»، وكان عداؤها تجاه إسرائيل آنذاك خطابياً لا أكثر.
هذا دون أن يغيب عن الذاكرة فضيحة “إيران غيت” في الثمانينيات، صفقة المصالح فوق المبادئ. حيث باعت إدارة ريغان إيران أسلحة بوساطة إسرائيلية، على الرغم من حظر بيع الأسلحة لطهران. وتمّ الاتفاق بين جورج بوش الأب ورئيس الوزراء الإيراني أبو الحسن بني صدر في باريس، بحضور مندوب الموساد. شملت الصفقة مئات من صواريخ “تاو” و”هوك”، وشحنات متعددة على مراحل من إسرائيل والبرتغال.
طالما نحن ما زلنا تحت تأثير “صراع” الشياطين كما يطلقون على أنفسهم، برسم أو بكذبة “الصراع التاريخي”… فإن الشياطين الثلاثة من الأكبر إلى الأصغر مرورًا بالأوسط، يستفيدون من غبائنا وقلة حيلتنا نحن الشعوب النائمة. دعونا نُذَكّر: من نكبة فلسطين إلى غزو أفغانستان، ومن ذبح العراق إلى تدمير سوريا، ومن اغتيال الحريري إلى تدمير اليمن… إيران كانت دومًا حاضرة بالمؤامرة أو التنفيذ أو التمويل… حتى تحوّل لبنان إلى ميناء إيراني، وفلسطين إلى شماعة شعبوية، بينما الأقصى – في عقيدتهم – مجرد كذبة… فالغاية دائمًا كانت التمدد، لا التحرير.
رأ ايضا: حرب إيران وإسرائيل: نهاية زمن الوكالة وبداية صراع البقاء

