مزعج هو رئيس الحكومة نواف سلام، يبدو غريبًا عن قواعد العلاقات السياسية ونظام المحاصصة وشروط اللعبة التي أتقنتها المنظومة الحاكمة في لبنان، فالرجل ليس من بطانة المنظومة، ولا سوابق له في المحاصصة، ولم يُعرف عنه سعي لتحقيق غايات نفعية تتصل به شخصيًا أو بأزلام محيطين به، وهو ممن لا يحب “خفق النعال خلف الرجال..” بل يُؤثر أسلوب رجل دولة يحترم المؤسسات، متفاديًا الدخول في زواريب العصبية واستثارة النزعات القبلية أو المناطقية والطائفية.
وعلى رغم تململ بعض محبّيه ومريدي دولة القانون من بيروقراطية تسم مقاربته لملفات سياسية، وتعامله كرجل قانون لا يقبل أن يُشار إليه يومًا بأنه يتجاوزه، فإن رئيس الحكومة نواف سلام، يبدو مقتنعًا بأن سلوكه هذا يبني الدولة ويعيد الانتظام لقواعد الدستور ويساهم في تطبيق القانون، فهو يرفض تكريس مشهد اجتماعات دورية للرؤساء، وينأى بنفسه عن أية شبهة قد تطاله بأنه كان مساهمًا بعودة الترويكا، ويُبدي اعتراضًا عبر آليات قانونية على ما يدّعيه البعض عن قرارات صدرت أو اتفاقات بعد كل لقاء بين رئيسي الجمهورية ومجلس النواب.
سلوك قانوني في بيئة مأزومة
نواف سلام “الموظف المثالي في موقع رئيس حكومة” كما يصفه أحد معارفه. لا ملفات ممكن أن تكون مصدرًا لابتزازه، لا مقايضات، ولا محاصصة، ولا حسابات لمصالح مالية أو استثمارية خاصة.
ملتزم بالبيان الوزاري، متمسك بالإصلاح، متخفف من ملفات الفساد، هو من خارج بطانة السلطة المتحكمة، لذا هي تحاول شدّ خناقه، والعودة به إلى الانسجام الكامل بين من تطالهم شبهات الفساد والانخراط في المنَهبة التي أدارها تحالف المافيا والميليشيات.
ألف فاسد ومفسد، ولا نواف سلام واحد، هذا لسان حال حزب الله، الذي أتقن فنّ التعامل مع المافيات في المصارف وفي إدارات الدولة التي جعل فيها عيونًا وآذانًا.
يبقى السؤال: أين موقع رئيس الجمهورية من كل ذلك؟ ثمة رسائل خارجية متكررة، عربية ودولية، قالها لي أحد السفراء العرب المعنيين، مضمونها: ممنوع الخلاف بين الرئاستين الأولى والثالثة. لكن ذلك لا يمنع من دقّ الأسافين بين الرئيسين، طالما أن ذلك يلقى صدى واستجابة، ونتائجه ستكون مذهلة بحسب ظنّ المنظومة.
ألف فاسد ومفسد، ولا نواف سلام واحد، هذا لسان حال حزب الله، الذي أتقن فنّ التعامل مع المافيات في المصارف وفي إدارات الدولة التي جعل فيها عيونًا وآذانًا.
المنظومة تجهّز لإسقاط الحكومة
رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي هو واسطة العقد، زنبرك البطانة، واسمه يسيل لعاب البعض، وعودته إلى رئاسة الحكومة يُعمل عليها، مراهنًا على فشل سلام وانفجار الشارع في وجهه، وإذا لم يكن ميقاتي، فليكن وزير الداخلية الحالي الذي يحظى بانتباه شديد من قبل بعض أطراف المنظومة.
هذه المنظومة لم تزل قوية، وتعمل على تليين الموقف الأميركي منها، وهي تُقدّم أوراق اعتمادها بالقول إننا قادرون على تلبية المطالب المتصلة بالسلاح وتوفير شروط إعادة الإعمار، وإن سلام سيعجز عن فعل ذلك، فيما تشير أوساط دبلوماسية إلى قريب أحد الرؤساء من آل جمعة، يعمل بانتظام على نقل رسائل متبادلة من قريبه، تتركز على فكرة أن مسار الابتعاد عن حزب الله لن يتوقف، ومقدمًا تقارير عن صدامات تجري في أكثر من منطقة كأمثلة حيّة تؤكد ما يقول.
يجري إعادة رسم التحالفات على قاعدة جديدة، فـ”مافيا المصارف” نشطت صِلاتها بالمواقع السلطوية، وحزب الله يتمسك بتثبيت مقولة أن السلاح هو جزء من “الثقافة اللبنانية”
السيناريو الذي تتشارك البطانة لتحقيقه، هو إسقاط حكومة نواف سلام، فقد أعطت المنظومة الإشارة للاتحاد العمالي العام بضرورة الاستعداد لبدء تحرّكات مطلبية في الشارع، كما أن موظفي الإدارة العامة وبعض المتقاعدين العسكريين وغيرهم، يجري تحفيزهم للتحرك في الشارع أيضًا، وكلما بدا نواف سلام حاسمًا في تنفيذ بيان حكومته، كلما زاد اصرار المنظومة على دفع مناصريها إلى الشارع.
وعلى هذا المنوال، يجري إعادة رسم التحالفات على قاعدة جديدة، فـ”مافيا المصارف” نشطت صِلاتها بالمواقع السلطوية، وحزب الله يتمسك بتثبيت مقولة أن السلاح هو جزء من “الثقافة اللبنانية”، وبالتالي فإن الخروج على منطق الدولة وشروطها يدعمه إرادة لبنانية شعبية.
يبقى أن المعادلة الإقليمية والدولية، وشروط الاتفاق المُذل الذي وافق عليه حزب الله، كفيلة بإنهاء أي إمكانية عسكرية مهددة لإسرائيل، التي لا تتوانى في توفير الغطاء للضربات الإسرائيلية على عناصر ومواقع حزب الله، وهذه الضربات يبدو أنها مستمرة دون توقف، طالما أن حزب الله لا يُبدي أية مقاومة لهذه العمليات، وطالما أن إسرائيل تزعم أن الجانب اللبناني لا يقوم بما يلزم من أجل تطبيق كامل القرار الدولي 1701.
اقرأ أيضا: بين منطق السلاح ومنطق الدولة.. لهذه الأسباب يشنّ «الحزب» هجومه على سلام

