نظّم المجلس الثقافي للبنان الجنوبي عصر أمس في مركزه في برج أبي حيدر في بيروت ندوة بعنوان “الإعلام مرآة للواقع أم صانع له؟ المستوى والتأثير” تحدث فيها الصحافي الأستاذ سمير عطالله، وقدّمت لها وأدارتها الشاعرة والإعلامية ماجدة داغر.
الإعلامية والشاعرة ماجدة داغر
بعد الترحيب بالحضور استهلت داغر كلمتها قائلة “رجلٌ بمدنٍ كثيرة، بأزقّةٍ وأرصفةٍ، ومواعيدِ المصابيحِ مع الليل.
رجلٌ بأقلامٍ مشتعلة بشعريةِ النار، كما عند باشلار، قبَسٌ يُلهم جنيّةَ التاريخ، وضجرَ الجغرافيا، والغاوياتِ في القصيدة.
رجلٌ بموانئَ حائرة بين الأفق والشاطئ، يمتدُّ كجسرِ ملحٍ فوق ظلِّ البحّارة، لكنه، “كلّما صفرت باخرةٌ تمنى أن يكونَ على متنها”.

مركبٌ بمجاذيفَ مغامِرة، هذا الرجلُ المفتونُ بالترحالِ بين الفجرِ والغسق، بين القطبِ والقطب، بين الصحراء والغابات. فتراه حيناً مثل الحوذي في مُهاجِر بريسبان لجورج شحادة، يتلمسُ طريقه ولايجدُها، وأحياناً كثيرة كابنِ عربي لا يعوِّلُ على شوقٍ يسكنُ في اللقاء، فيبقى لقاؤه مع ذاته/ المدينة، مفتوحاً على الحلم. وكأنّه تلك المغامرة التي كانت “الخروجَ من فَيء الذات الى العالم، وإعادة العالم الى فَيء الذات”، كما قال عنه أنسي الحاج”.
تابعت داغر “هذا الكاتبُ المقنّعُ بالقصيدةِ المؤجّلة، (سُئل مرة لو قُدّر لك أن تختار مهنة جديدة أي مهنة تختار؟ قال شاعرهذه الأمنية تحققت له وقُضي الأمر. أنسي ) يستثيرُ فتنَتَها، تُغويه، فتهتِف في حرفِه المأخوذ بالموانئِ والجسور والقطارات والمدن، يعيد تركيبَ قسماتِها، وتمتزج السياسةُ بالأدب، والثقافةُ بالحدث، والفكرُ بالظُرف، والعمقُ بإتقان البساطة، فيكتب… وآه مما يكتب!”.
أضافت داغر “وكمن ينتشي بسفَرٍ في قطارٍ خرافي، يتسلّل الوسنُ اللذيذ إلى قارئه، لِيجدَ، مدنًا وأوطانًا وناسًا وطيّبين ونبلاء ومثقفين وسياسيين وملوكًا…
عن الأميركي الذي حدّثَ القصيدة، وعن إزرا باوند و”الكانتو” وعصر التفكّك والكمال المفقود، وعن شعراء الغجر الجوّالين، كتب.
وعن بدر شاكر السيّاب، وعن مصطفى أمين كأهمِّ مُحدثٍ في تاريخ تأسيس الصِحافة المصرية، وعن “كينغ مايكرز”، وعن العقّاد وطه حسين والمنفلوطي وسيد درويش وجيل العمالقة، كتب. وعن حكاية موت المعلّم الكبير سقراط انتحاراً بالسُمّ، واليومِ الأخير في حياته، وعن الفارقِ بين اللذة والألم، يكتب.
وعن المصالحة بين كوبا وأميركا بعد أربعةٍ وخمسين عاماً من العداء، كتب.
وعن موسكو الهانئة مثل مدينة عربية من مدنِ ألفِ ليلةٍ وليلة، قبل دخول نابوليون إليها. وعن سقوطِ جدار برلين، والأسواقِ الحرة في دولِ البلطيق، وفوكوياما ونهايةِ التاريخ، وأيها الساذج إنها بدايتُه. وعن السلامِ وسَط الركامِ المجبولِ بالدمِ والبكاء، وعن نحيبِ أهلِ غزة وليلِ أوكرانيا الطويل، وعن نيرون إن كان يعزفُ على الكمنجة أم على القيثارة وهو يتفرجُ على روما تحترق. وعن جرجي زيدان وأمين معلوف واللورد بايرن، وعن ماركس ونيتشه وتروتسكي وداروين، وفرويد وغرامشي وسايكس بيكو… وأبراجِ دبي، وفضيحةِ ريتشارد نيكسون ونهايةِ الحرب الباردة، وعن تغطياته الصِحافية لأعمال الأمم المتحدة في نيويورك… أيام كان يعدو.
وكتب، عن الألويةِ الحمراء وجماعةِ بادر ماينهوف الألمانية، وكيف عثرتْ فرنسا على كارلوس في الخرطوم، وعن تشيلي الصغيرة على حافة الأرض.
ويكتب، عن الناتو والمواجهات بين تركيا غير الأوروبية واليونان، وعن أميركا إلى جانب ايران ضد داعش، وعن غروزني والرمادِ المحروق. وعن بهاءِ بيروت الستينات، ولبنانَ الباحث عن سلامه الموعود. وعن قطار التالغو السريع من مدريد إلى إشبيلية، ودون كيخوته” وطواحين الهواء وسانشو، والجنرال فرانكو ولوركا، وآهٍ على لوركا وعرس الدم. وعن بلادِ الأندلس وابنِ سهل الإشبيلي وولادة بنت المستكفي، يكتب.
والقطارُ الخرافي، يُسمعُ صوتُه هناك، قرب المحطة، وفيروز تنتظر. وعن عاصي ومنصور وغبريال غارسيا ماركيز ومئةِ عام من العزلة، كتب.
والرجل، بالمجاذيف المغامِرة يكتب بحبرِ الزمن الجميل، وعن دوستويوفسكي ومكسيم غوركي وديكنز ونيرودا، والقهوة عالمفرق. وعن قريته بتدّين اللقش الوادعة في جزين، وعن ملوك العرب وأمرائهم الكبار. وعن يوم الفرار الرهيب، والحياة العادية، وعن أطول رؤساء فيتنام الجنوبية بقاءً في الحكم، وعن عودةٍ إلى الفردوس المفقود، والثورات والحرية وقضايا الإنسان والأرض.”
أكملت داغر “صاحبُ “مسافاتٌ في أوطان الآخرين”، ناس ومدن، بائعُ الفستق، يمنى، قافلةُ الحبر: الرحالة الغربيون إلى الجزيرة والخليج، أوراقُ السندباد، جنرالاتُ الشرق، ليلةُ رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس، وغيرُها من المؤلفات في التاريخ والرواية وأدب الرحلات.
أفقٌ ثقافيٌّ مفتوح على السياسة والأدب والتاريخ والجيوسياسة والسوسيولوجيا والمعرفة في مفهومها المعجمي.

شاهدٌ على تحولاتٍ كبرى عصفت بعالمنا العربي والعالمِ أجمع، ومؤرّخٌ لأحداث مفصلية غيرت مجرى التاريخ، ومحللٌ لأزماتٍ لا تزال تداعياتُها قائمة، كأنما يكتب بماء العين، لا بحبر القلم، لتصلَ الفكرةُ إلى أعمقِ نقاط الوعي، فأهدى زمنَنا الباهت أنوارًا ساطعة.
آخرُ النبلاء، والقلمُ الكبير، كما وصفه غسان تويني، سمير عطالله.
نتحلّق اليوم حول أستاذ سمير وفي جعبتنا عنوان وجودي يمس جوهرَ مهنة الإعلام، وتأثيرَها في مسيرتِنا كمجتمعات وأفراد، وفي تشكيل وعينا وواقعنا: “الإعلام مرآةٌ للواقع أم صانعٌ له؟ المستوى والتأثير”. سؤالٌ يتشعب، يطرح تحدياتٍ جمّة، ويكشف عن مسؤوليات عظمى تقع على عاتق الكلمة وقلمِها.”
بعد داغر بدأ الأستاذ سمير عطالله الذي لم يحضّر كلمة معدّة سلفًا بالإجابة على الأسئلة، فعرض لتجربته مع الكتابة منذ أن كان طفلًا وصولًا إلى الآن، وصف بتدين اللقش مسقط رأسه في جزين وجمال طبيعتها، ووصف منطقته بتنوعها الطائفي والديني والثقافي.
تحدّث عطالله لرحلته مع الصحافة وفرّق بينها وبين الإعلام، ووصف ما يجري من تطور لناحية الذكاء الاصطناعي بأنه مخيف، وعرض لواقع الصحافة أيام كانت في ازدهارها وما آلت إليه من تحوّلات كبرى، غيّرت من طبيعتها وطرائق عملها.


