في افتتاحية الاوريون لوجور اليوم تعليقا على الانتخابات البلدية، وما فيها من عِلَل وامراض وطنية، كتب أنطوني سمراني ان الانتخابات البلدية هي قفزة كبيرة الى الوراء ! اين الارثوذكس من هذا القفز الكبير الى الوراء !؟
هذه أدناه كلمات مقالة كتبتها في ٢٠٢٠ ولا تزال حفر وتنزيل لهذا اليوم الان وهنا، حيث التراجع الوطني والتقدُّم الطائفي !
ضَرب التمثيل الارثوذكسي اليوم، هو ضَربٌ للبنان الوطن وطريق مَفروشة بسوء النوايا، نحو الفرز الفدرلي المذهبي ونحو إبتلاع الأرثوذكس وتقزيمهم في كانتون مسيحي، ضمن دولة مركزيّة وَرقيّة، فتكون نهاية للبنان الذي نَعرِف !
في عظة هامة له، مُؤخرا من منبر كنسي عزيز لدير بطريركي كبير في وسط وادي النصارى في سوريا، تفوَّه يوحنا العاشر الحبيب، ابي وبطريركي، بعظة فيها بَساطة ودسامة روحيّة كبيرتين، وذَكَرَ ان الكنيسة الارثوذكسية ليست فقط، خِدَم رعائية ونشاطات وزيارات وموائد محبة، بل هي تَوهُّج روحي وتوثُّب نحو الملكوت والسلام الذي من العُلى ورفع للإنسان الى المراتب العلوية السماوية، رفعٌ يخدم إنسان هذه الارض ليرفعه من الارضيات الى السماويات.
الأرثوذكسي ليس في هوية تذكرة مذهبية او هوية مجتمعية، بل في الاخلاق والاداء، وفي إيمان وفكر وعطاء للانسان يَنهَل، على كل الاصعدة، في الارضيات ليجعل الارضيات سماويات
اين نحن من هذا الكلام المِحوري ؟ كتبت كثيراً ومؤخراً في النهار عن الأرثوذكس والشأن العام، وجعلت من التاريخ ليس مِصيدة للواقع بل حافزاً لليوم والمستقبل ليكون لنا عِِبرة ونموذج، لننتقل من ارض الواقع المَرير الى ارض الرجاء الرَحِب والعَطِر، ودعوة الى تخطّي الخوف والانكفاء، فلا نقبل ان نصبح رقم مُستسهَل في لبنان وهذا الشرق، رقم نفقد فيه ماهيَّتنا، ونمنع الاخرين ان يرتفعوا الى الأمثل …
إقرأ أيضا: اغتيال عيسى قطيش في حولا: صور شخصية وعسكرية لم تُكشف بعد
كتاب هذا اليوم النداء، هو غيض من فيض، وسيتبعه ما يتبعه، لان الامور وصلت الى مواصيل لا يجوز بعدها السكوت لان الانكفاء في الابرشيات والرعايا والرعاية هو سيد الموقف وهو إنكفاء تراجعي وتفككي يُبعدنا عن من نحن ويجعلنا شيء آخر وليس بالضرورة كنيسة المسيح… !
لن اعود الى هذه الكتابات عن الارثوذكس والشأن العام في لبنان اليوم، بل الى التساؤلات التي تعتَصِر قلوب وضمائر اكثريّة أرثوذكسية انطاكية صامِتة في لبنان، صامِتة على الجرح، ولا تفهم ما يحصل لها، وكيف بدأ هذا التدحرج واين امسينا من حيث من نحن، واين كنا واين اصبحنا.
من يُسمِّي وزراء الارثوذكس اليوم في لبنان ؟ ومن يُسَمِّي في لبنان نوابهم اليوم ؟ ومن يُسَمٌي مُمثليهم في الإدارات ومراكز الخدمة (الشأن العام خدمة وليس مصلحة) في لبنان اليوم ؟
فبعد ان أمسوا مَكسَر عصا منذ فترة لبعض الساسة المسيحيين اللبنانيين الذين فقدوا كل بوصلة، وافقدوا الارثوذكس في لبنان بوصلتهم الروحية والكنسية وهويتهم، وبعد ان كانوا منذ البدايات، قد حملوا فكرة لبنان وتوهُّجهِ ليس فقط بين الطوائف اللبنانية ليخرجوها من انانيتها الى مَطارِح عطاءات للوطن والدولة-الامة اللبنانية، بل اكثر من ذلك رفعوا لبنان الى مستويات النجوميّة الحقًَة العالمية، هل اصبح الأرثوذكس في لبنان، اليوم، شهود زور لإنهاء الوطن اللبناني ورسالته وتميُّزِه في هذا الشرق الخانِق بالمذهبيات المُتناحِرة والمَخنُوق بتوتاليتاريّات مُتعددة الانواع قاتلة للانسان وحريته وعزته وكرامة عيشه؟
من يُسمِّي وزراء الارثوذكس اليوم في لبنان ؟ ومن يُسَمِّي في لبنان نوابهم اليوم ؟ ومن يُسَمٌي مُمثليهم في الإدارات ومراكز الخدمة (الشأن العام خدمة وليس مصلحة) في لبنان اليوم ؟ من يُسميهم ليستَحِق هؤلاء النازلين علينا اليوم نحن الارثوذكس بالمِظَلَّة السياسية (من اين؟ من من ؟ وبتذكية من ؟ وبعد إستشارة من ؟ لا ندري…) والتي تُليَت اسماؤهم ودُوّنَت على ورقة “مرسوم” جمهوري، ليستحقوا تعريف كلمة وزير “ارثوذكسي” ؟ علَّنا لا ننسى، نحن الارثوذكس اولا، ان هذه الكلمة هي مِصحف ايمان وكتاب حياة وهي تُشير اولا وآخرا لا الى “طائفة” او “مذهب” بل الى كنيسة المسيح، الا اذا اردنا شعوريّا ولا شعوريّاً، كوننا إنغمسنا في دهريات هذا العالم الدهري الزائل، ان تُحَجَّمَ الكنيسة وتتَقَزَّم لتَصِير طائفة ومن ثم مذهب ومن ثم، من يدري، علبة من هذه العلب، ولعبة مذهبية من هذه الالعاب التي يلعب بها دهريو هذا الزمن وسياسيوه وقادته العميان … علَّنا لا ننسى، نحن الارثوذكس اولا، ان كلمة ارثوذكس تُشير اولا وآخرا الى الاستقامة الحَقَّة، وليس الى المُستقيمين المُزيَّفين، المُستقيمين على ورقة التوت، الذين يَتسلَّقوا الأرثوذكسية للوصولية والمصلحية ويتموضعون ويَصطفُّون في مجلس الزعيم لينالوا فُتات مَناصب (كما اليوم) فيكون فيها هو (اي الزعيم) مُحرِّكاً لهم في عملهم وليس استقامتهم وضميرها الكنسي والروحي ؟ علَّنا لا ننسى، نحن الارثوذكس اولا، ان كلمة “ارثوذكس” ليست كلمة تعريف عن “طائفة” بل تعريف عن “خَلق” الرب في هذا العالم، اي من عرفوه واصبحوا خاصَّته، فشهدوا له وشهَّدوا العالم، وهي تعريف عن “اخلاق” شهادة في العالم لتكون الكنيسة ومجتمعاتها الكنسيّة الشاهِدة التي لا تخاف الشهادة، فهي في استعدادها الدائم ان تكون شهيدة (اي ان تقول كلمة الحق على قطع راسها) تستطيع ان تكون شاهدة ورافعة في مجتمعاتها للأفضل والامثل…
بالتالي الأرثوذكسي ليس في هوية تذكرة مذهبية او هوية مجتمعية، بل في الاخلاق والاداء، وفي إيمان وفكر وعطاء للانسان يَنهَل، على كل الاصعدة، في الارضيات ليجعل الارضيات سماويات …
اما عندما تقبل الأرثوذكسية ان تحني رأسها وإستقامتها خوفا من ان تكون شهيدة لتكون شاهدة، فتصبح عندئذٍ تابعة لهذا او ذلك من دهريو هذا العالم، فلا يبقى بها الا قشور خارجية لِلباس بيزنطي مزخرف، جميل في الخارج ولكن فارغ في الداخل وقابل للموت كالتينة اليابسة غير المُثمرة التي قال عنها السيد انها ستُلقى في النار.
إقرأ أيضا: لبنان أمام مرحلة صعبة ودقيقة.. وهذا ما تحملة أورتاغوس!
يبدو ان لا ناقة لنا ولا جمل في لبنان اليوم في تسمية من قيل انهم لطائفة الأرثوذكس في لبنان (وهل من تعريف لها اليوم ولدورها في الشأن العام الوطني ؟). يبدو اننا، كأثرية اللبنانيين، مغلوبٌ على امرنا، نُستخدم فنَطيع، نُضرب فنُسامح، تُهدَم مقاييسنا فننتظر ان يَمُر الإثم … لكن الإثم لا يَمُر الا بالمجابهة الواعية الحقيقية والحقانية والشهادة الشهيدة والشاهدة …
عندما تقبل الأرثوذكسية ان تحني رأسها وإستقامتها خوفا من ان تكون شهيدة لتكون شاهدة، فتصبح عندئذٍ تابعة لهذا او ذلك من دهريو هذا العالم، فلا يبقى بها الا قشور خارجية لِلباس بيزنطي مزخرف، جميل في الخارج ولكن فارغ في الداخل وقابل للموت كالتينة اليابسة غير المُثمرة التي قال عنها السيد انها ستُلقى في النار
بالامس خضع الأرثوذكس لتمثيل حزبي ولا يزالوا الى اليوم. بالامس كانت نيابة الحكومة لذلك الحزب واليوم أمست لحزب آخر نقيضه، وماذا يجمع هذا بذلك واين الأرثوذكسية بينهما من حيث انها لغة كنسية وطنية ورافعة وطن وليس حزب وتحزُّب وعقيدة؟ لا بل ينزل علينا اليوم اسماء لا معرفة لنا بهم ولا هم بمناهج الكنيسة والطائفة… اينهم من الأرثوذكسية واين الأرثوذكسية منهم ؟ هل هذا هو دورنا، ان تصبح الارثوذكسية، “أرثوذكسية اجتماعية”، كغطاء مذهبي لسياسات ولسياسيين مَصلحيين، بينما “الارثوذكسية الايمانية” التي يجب ان تكون هي المُحرِّك لعملنا في الشان العام والوطني ولإلتزامنا الانسان، كل انسان؟ هل هذا هو قدرنا ان نُصبح مَطيّة لصعود المذهبيات وشهود زور لتفكيك الطائفة ومن ثم الكنيسة، ومن ثم الوطن ؟
الارثوذكسية كلها اليوم تعيش هذا الصراع، في اوكرانيا وغير اوكرانيا، حيث تغلب الارثوذكسية الهوياتية والاجتماعاية والسياسية، تغلُب على الارثوذكسية الايمانية، وتمنعها من ان تكون كنيسة شاهدة ورافعة اوطان ومجتمعات نحو الافضل والأمثل …
وفي لبنان يحصل نفس الشيء، وبالتالي تفكيك الارثوذكس وتحجيمهم، وتسخيف تمثيلهم واستعمالهم كتكملة عدد طائفي ومذهبي، ليس فقط هو ضرب للبنان الذي عرفناه (لمصلحة من ؟ هذا حديث آخر) بل ايضا ضرب لانطاكية الأرثوذكسية في لبنان وضرب للطائفة العابرة للطوائف و للكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية التي هي تاريخيا وإلى اليوم غير هَويَّاتيّة …
هل نحن على وعي لكل هذه الاخطار ؟ هل نحن على تمييز ان الدرب الذي نسير عليه، كما أرادوا للبنان الى اليوم، درب في اتجاه جهنم، تنزل به الكنيسة الى جحيم التفكك والانفصام والانقسام ؟
اين شعبنا المؤمن الحسن العبادة الذي نقول عنه انه شعب الله ؟ اين الآباء الذين يتفَنَّنون بتلميع اُطُر الخِدَم التي نقدمها للرب بينما الانسان المُعذَّب هو امامنا، بكثرة، اليوم، في الطريق، الان وهنا ؟ اين اساقفتنا ومطارنتنا ؟ اين نُخبنا الواعية غير المصلحية وجمعياتنا ومُثقفينا وكتَّابنا … ؟
عندما سقطت الدولة البيزنطية في بلاد الإغريق وعندما دقت ساعة الخروج من الاحتلال العثماني في بلاد الإغريق، كانت الكنيسة وقديسوها من كهنة ومعلمين ومُعرِّفين هم الملاذ الصالح الذي رَفَعَ الناس من كبوتهم ومن مآسيهم واعطاهم بّعداً آخر للنضال نحو الحق وللحق والحقيقة، فكانت ثورة ١٨٢١ في اليونان التي نُعيِّد هذه السنة للمئوية الثانية لتذكارها.
تفكيك الارثوذكس وتحجيمهم، وتسخيف تمثيلهم واستعمالهم كتكملة عدد طائفي ومذهبي، ليس فقط هو ضرب للبنان الذي عرفناه (لمصلحة من ؟ هذا حديث آخر) بل ايضا ضرب لانطاكية الأرثوذكسية في لبنان وضرب للطائفة العابرة للطوائف و للكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية التي هي تاريخيا وإلى اليوم غير هَويَّاتيّة
لبنان يَهوِي اليوم ويَسقُط ويَتدحرَج… هوت الدولة، هوت المؤسسات، وهوت المواطنة، وطغت شريعة الغاب في طوابير الذل وطوابير البحث عن لقمة عيش ودواء واستجداء استشفاء، وها هي الطبقة السياسية اعادت تركيب حكومة أقنعة جديدة لحماية نفسها من الإثم الذي فعلته وذلك بمُباركة وتحت تسمية المذاهب والأديان ! الى متى نبقى في الانفصام ونكران الواقع ؟ الى متى تبقى الكنيسة نائية بنفسها عن آلام شعب مجروح ينزف ولا احد يسمع انين ألمه؟
إذا سقطت “الطائفة” الأرثوذكسية في لبنان في مَطبَّات التموضعات السياسية الضيقة واذا تدحرجت الى دركات التبعيّة لهذا الفريق او ذلك من السياسيين والاحزاب، واليوم للتكنوقراط المُنظرين والعقائديين، النازلين علينا بالباراشوت، وكل ذلك بشكل لا يليق بتاريخنا وبماهيتنا، وبما نحن عليه وكنا عليه من توهج وطني، وما يجب ان نكون عليه في هذا الوطن … أليس على الكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية ان تستدرك الامر عاجلاً ام آجلاً وعليها، مع كل النخب الارثوذكسية الوطنية الواعية وغير المصلحية، التي تشكل اكثرية صامتة اليوم في لبنان، ان تقول كلمة حق وتَستدرِك الامر وتقول الأمر لي ؟!
لبنان يَهوِي اليوم ويَسقُط ويَتدحرَج… هوت الدولة، هوت المؤسسات، وهوت المواطنة، وطغت شريعة الغاب في طوابير الذل وطوابير البحث عن لقمة عيش ودواء واستجداء استشفاء، وها هي الطبقة السياسية اعادت تركيب حكومة أقنعة جديدة لحماية نفسها من الإثم الذي فعلته وذلك بمُباركة وتحت تسمية المذاهب والأديان
طبعاً، نحن لا نسعى لتمثيل طائفي على شاكلة هذا الفرز الذي يقومون به هم اليوم، بدون حياء، في اوراق التأليف وفي مراسم تسمية الوزراء وكأن هؤلاء الوزراء اضافة لكونهم اقنعة لسياسيين يقودونهم الى حيث يريدون (وبدأنا نسمع ونقرأ فضائح ومصلحيات هؤلاء التكنوقراط المُنظرين ذوي السِيَر المُلمَّعة الجاهزة للتوزير! ونسمع سخافاتهم !)، هم رمز لهذا الفرز الطائفي على الاوراق الرسمية بين الكانتونات المذهبية وكاننا في فدرالية طوائف مُقنَّعة لا تزال تعيش في شبه دولة مركزية تحاصُصية وليس في دولة المواطنة في دولة لبنان الكبير الذي نريد.
نحن لسنا طائفيين نسعى للحقوق والتمثيل ولكن هذا لا يعني ان لا يكون لنا لا ناقة ولا جمل، ولا صمت هادِف ولا كلام صائب عالي السقف، وان نبقى في وضعية “لا حول ولا قوة”، من حيث من يمثلنا كأرثوذكس، ولماذا، وكيف، واذا كانت الكنيسة غير مشاركة في هذا الفعل الإنفصامي، فلترفع اذا التسمية عن هؤلاء الى غير رجعة ولترفع الغطاء الكنسي عنهم، فلا التُبَّاع المُتسلقين للمناصب يمثلوننا، ولا العقائديين المَصلحيين ايضا.
إقرأ أيضا: بعد إحجام «المستقبل»..أين موقع سعد الحريري وسُنة لبنان؟!
الم يحن الوقت لنقول كلمة حق، ونقول للساسة في لبنان كفى “تمييع” للدور الأرثوذكسي في لبنان…؟ هل يُقدِم المجمع المقدس الُمقبِل في تشرين الاول الى هذا المِفصَل الاساسي في حياتنا الوطنية في لبنان، يُقدِم بجرأة ليُعيد تثبيت المَقاييس المُكوِّنة لحياتنا الكنسية والوطنية لكي لا تتقزَّم الكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية في لبنان الى طائفة مُسيّرة من السياسيين المَصلحيين ومذهب يكثر فيه التكنوقراط التُبّاع؟
الم يحن الوقت لنقول كلمة حق، ونقول للساسة في لبنان كفى “تمييع” للدور الأرثوذكسي في لبنان
حذاري فان سقوط الأرثوذكسية الانطاكية في لبنان سيتبعه سقوطها في سوريا والشرق … والمتربصون بنا كُثُر من اهل البيت وخارجه. فهل تبقى انطاكية العظمى، انطاكية العظمى بشهادتها وايمانها على قطع رأسها ؟
جَعل الأرثوذكس في لبنان، طائفيون تُبَّاع، هذا ما يريدونه هُم مِنَّا … اما نحن فنريد ان نكون رافعة وطن، وطن الارز الشامخ لبنان وشهادة مستقيم في الشرق والعالم. فهل نُقدِم ؟

