تلال «علي الطاهر» و«الدبشة»: أسرار معركة تحت وفوق الأرض ليست وليدة اليوم

smoke rise following Israeli airstrikes that targeted hilltops near Nabatieh town, south Lebanon (AP)

بعد التطور ميداني اللافت، عندما شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية الخميس سلسلة غارات عنيفة ومركزة، وصفت بـ«الحزام الناري»، استهدفت بشكل خاص منطقتي تلال «علي الطاهر» و«الدبشة» الواقعتين بين بلدتي النبطية الفوقا وكفرتبنيت جنوب لبنان، بالقرب من معلم قلعة الشقيف التاريخي، لم تكن هذه الضربات مجرد رد فعل عابر، بل كشفت، بحسب الادعاءات الإسرائيلية، عن استهداف «مشروع ضخم تحت الأرض» تابع لـ«حزب الله». 

وأدت الغارات إلى استشهاد قياديين في الحزب هما باسم علي عساف وعلي محمد شحرور (المعروف بـ«أبو حسين»). لكن، وبعد سرد «جنوبية» أهمية منطقة قلعة الشقيف، نشرح اليوم أهمية الموقع المستهدف بالذات، وطبيعة المنشآت التي يُعتقد أنها كانت فيه، وسيرة القياديين اللذين استُشهدا، ودلالات هذا التصعيد.

القائدان باسم عساف وعلي شحرور

نعت صفحات ومصادر مقربة من «حزب الله» «الشهيدين المجاهدين» باسم علي عساف (ذو الفقار) وعلي محمد شحرور «أبو حسين»، مؤكدة ارتقاءهما «على تلّتي علي الطاهر والدبشة» جراء الغارات الإسرائيلية. وبينما تبقى التفاصيل الدقيقة حول الأدوار القيادية لباسم علي عساف داخل هيكلية الحزب غير معلنة بالكامل في المصادر المتاحة حالياً (مع أهمية عدم الخلط بينه وبين شخصيات أخرى قد تحمل اسماً مشابهاً ذُكرت في سياقات مختلفة سابقاً)، فإن المعلومات المتوفرة حول علي محمد شحرور، الملقب بـ«شطاح» أو «أبو حسين»، تشير إلى أنه قيادي ميداني مخضرم.

«أبو حسين شحرور»، وهو من بلدة هونين الجنوبية ويقيم في بلدة حاروف، له تاريخ طويل في العمل المقاوم، وقد يكون هو الشخصية التي أشارت إليها معلوماتك كـ«رجل في الستينيات من عمره نجا من محاولة اغتيال عام 1997»، حيث ربطته بعض المصادر بالمشاركة في عملية «موقع سجد» النوعية التي نفذها «حزب الله» ضد موقع إسرائيلي عام 1997. إن كان الأمر كذلك، فهذا يسلط الضوء على عمق تجربته العسكرية والأمنية واستمراريته في العمل القيادي حتى استهدافه الأخير.

باسم علي عساف

«علي الطاهر» و«الدبشة»: من قلاع الاحتلال إلى أهداف استراتيجية للمقاومة

تحمل تلال «علي الطاهر» و«الدبشة» أهمية استراتيجية وتاريخية كبيرة في جنوب لبنان. تقع هذه التلال ضمن منطقة النبطية وتشرف على مساحات واسعة، مما جعلها نقاطاً عسكرية حساسة عبر مراحل الصراع المختلفة:

  • مواقع احتلال إسرائيلي سابقاً: خلال فترة احتلال إسرائيل للشريط الحدودي في جنوب لبنان (حتى عام 2000)، كانت موقعي «الدبشة» و«علي الطاهر» من بين أبرز وأحصن المواقع العسكرية الإسرائيلية. يصف موقع «الخنادق» موقع «الدبشة» بأنه كان من «أكبر مواقع جيش الاحتلال في الجنوب اللبناني»، حيث كان يحتوي على سرية معززة وآليات ودبابات ونظام اتصالات متطور.
  • هدف لعمليات المقاومة: شكلت هذه المواقع، بسبب أهميتها وحصانتها، أهدافاً رئيسية لعمليات «حزب الله» والمقاومة قبل التحرير عام 2000. ونجحت المقاومة في تنفيذ عمليات نوعية ضدها، بما في ذلك ما عُرف بـ«عملية الدبشة النوعية»، مما جعل «تحريرها» جزءاً من السردية البطولية للحزب.
  • رمزية تاريخية ودينية: المنطقة تضم «مقام الولي علي الطاهر». وجود مثل هذا المقام يضفي بعداً إضافياً على رمزية الأرض بالنسبة للسكان المحليين والمقاومة.
  • تجدد الاستهداف: لم تخلُ هذه التلال من الاستهدافات الإسرائيلية في المراحل اللاحقة، بما في ذلك خلال حرب تموز 2006 والفترات التي شهدت توترات متقطعة، وصولاً إلى المواجهات منذ تشرين الأول 2023 وحتى تشرين الثاني 2025. 
المنطقة المستهدفة أمس ( إكس/MarioLeb79)

«مشروع تحت الأرض بدأ عام 2013»: شبكة أنفاق وقواعد مزعومة

تأتي الادعاءات الإسرائيلية الأخيرة لتضيف بعداً جديداً لأهمية هذه المنطقة. فقد صرح الجيش الإسرائيلي بأن الغارات المكثفة يوم أمس 8 أيار استهدفت «موقعاً مهماً تحت الأرض» و«مشروعاً كبيراً تحت الأرض» تابعاً لـ«حزب الله»، يُستخدم لإدارة «منظومة النيران والدفاع»، ويحتوي على «أسلحة وأنفاق». وأشار إلى أن هذا الموقع «تم إخراجه عن الخدمة».

تتقاطع هذه الادعاءات مع معلومات غير رسمية، تفيد بأن العمل في هذه الأنفاق والقاعدة تحت الأرض بدأ في عام 2013. 

ومن المعروف أيضا أن «حزب الله» استثمر بشكل كبير في بناء شبكات أنفاق وتحصينات تحت الأرض في جنوب لبنان (كما أشارت تقارير مثل تقرير مركز «ألما» الإسرائيلي حول ما أسماه «أرض الأنفاق» وعلاقتها بخبرات إيرانية وكورية شمالية). هذه الشبكات تخدم أغراضاً متعددة:

  • الحماية والتحصين: توفير ملاجئ آمنة للقيادات والمقاتلين والعتاد من القصف الجوي والمدفعي.
  • القيادة والسيطرة: إقامة مراكز عمليات ومقار قيادة تحت الأرض لإدارة المعارك.
  • التخزين اللوجستي: تخزين الأسلحة والذخائر والمؤن بشكل سري وآمن.
  • الحركة والتنقل: تسهيل حركة المقاتلين بشكل سري بين المواقع المختلفة دون التعرض للرصد.
  • المفاجأة التكتيكية: استخدام بعض هذه الأنفاق لأغراض هجومية أو للاقتراب من الحدود.

إذا صحت الادعاءات الإسرائيلية والمعلومات المتداولة حول طبيعة الموقع المستهدف في تلال «علي الطاهر» و«الدبشة» وحجمه وقِدَم العمل فيه (منذ 2013)، فهذا يعني أن الضربة الإسرائيلية لم تكن تستهدف مجرد موقع عادي، بل بنية تحتية استراتيجية وعقدة عملياتية مهمة لـ«حزب الله» في قطاع النبطية، مما يفسر كثافة النيران المستخدمة.

الموقع المستهدف أمس حيث يشار الى احتمال وجود فتحة نفق (الصورة: إكس/MarioLeb79)

الاستهداف الإسرائيلي: أهداف ورسائل أعمق

يتجاوز الاستهداف الإسرائيلي لموقع «علي الطاهر» و«الدبشة» بصواريخ خارقة للتحصينات مجرد الرد التكتيكي على عملية ما. إنه يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى:

  • تقويض القدرات العسكرية لـ«حزب الله»: تدمير البنى التحتية النوعية، خاصة تلك المتعلقة بالقيادة والسيطرة والأنفاق والأسلحة الدقيقة.
  • فرض معادلة الردع: إيصال رسالة بأن إسرائيل لن تتسامح مع بناء قدرات استراتيجية للحزب، وستعمل على تحييدها بشكل استباقي.
  • التأثير على معنويات الحزب وبيئته: اغتيال قادة ميدانيين واستهداف مواقع ذات رمزية تاريخية للمقاومة.
  • الضغط على الدولة اللبنانية: تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ما يحدث في جنوب لبنان، والضغط عليها (وعلى المجتمع الدولي) لكبح جماح «حزب الله» وتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بسلاحه.
وردت تلال «الدبشة» و«علي الطاهر» في خطاب أحد أبرز قادة الحزب مصطفى بدر الدين

معركة الظلال تحت وفوق الأرض 

إن الغارات الإسرائيلية المكثفة على تلال «علي الطاهر» و«الدبشة» وما كشفته من ادعاءات حول شبكة أنفاق وقواعد ضخمة لـ«حزب الله» يتم العمل عليها منذ سنوات، واستشهاد قياديين مثل باسم عساف وعلي شحرور، يؤكد مجدداً أن هذه المنطقة، ذات التاريخ العسكري الحافل، لا تزال في قلب الصراع المحتدم. 

إنها معركة تتجاوز السطح إلى الأعماق، حيث يسعى كل طرف لتحقيق تفوق استراتيجي. وبينما ينعى «حزب الله» شهداءه ويؤكد على استمرار المقاومة، تواصل إسرائيل ضرباتها معلنةً عزمها على منع ما تعتبره تهديداً وجودياً، لتبقى تلال الجنوب اللبناني شاهداً على حرب ظلال معقدة ومستمرة، فوق الأرض وتحتها. 

اللحظات الأولى للإستهداف
السابق
توتر بعد غارات أمس في الجنوب..ووثائق فرنسية لضبط الحدود مع سوريا
التالي
إطلاق لائحة «بعلبك مدينتي» بعد قليل في صالة هياكل بعلبك