حارث سليمان: الانكار المقدس

حارث سليمان

نتيجة فشل او صدمة او خسارة جسيمة، تتجلى عقدة الإنكار  كآلية دفاعية نفسية واجتماعية يعتمد عليها الأفراد أو الجماعات لمواجهة الحقائق المؤلمة التي تهدد هويتهم أو قيمهم أو وجودهم. 

ويمكن أن تظهر هذه العقدة، بعد الفشل او الانكسارالشخصي أو الجماعي، أو بعد صدمات مثل الحروب والصراعات، فعندما يواجه الفرد فشلًا مثل خسارة وظيفة، اوفشل علاقة عاطفية، أو حتى فقدان حبيب او عزيز، وعندما تصاب الجماعة بهزيمة او انكسار او احباط اهدافها، يتم اللجوء إلى الإنكار كوسيلة لحماية الذات من الألم النفسي وفعل الندامة ومحاسبة النفس. وتظهر هذه العقدة بعدة أشكال:  اولها إنكار المسؤولية وإلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين بدلاً من الاعتراف بالأخطاء الشخصية والذاتية. وثانيها إنكار الفشل نفسه والتظاهر بأن الأمر لم يحدث أو أنه غير مهم، وثالثها تزييف الواقع واختلاق أعذار أو تفسيرات بعيدة عن الحقيقة لتبرير الفشل والخسارة، ويؤدي الإنكار المستمر إلى تفاقم المشاكل بدلاً من حلها، ويعيق النمو الشخصي ويقلص التعلم من الأخطاء، وقد يتحول إلى سلوكيات هروبية مثل الإدمان أو العزلة. 

والإنكار على المستوى الجماعي خاصة، بعد الهزائم في الصراعات الكبرى، مثل الحروب أو الانهيارات الاقتصادية أو الكوارث الاجتماعية، فيحدث عندما تلجأ الجماعات إلى الإنكار كآلية لحماية الهوية المشتركة، ومن الأمثلة على ذلك:  

إنكار الهزيمة، كالقول إن الحرب “لم تُخسَر عسكريًا، بل بسبب المؤامرات” كما حدث في بعض الصراعات العربية. فبعد الهزيمة القاسية التي الحقتها اسرائيل بالجيوش العربية سنة ١٩٦٧ استنتجت الانظمة العربية التي خسرت هذه الحرب وفقدت الجولان وسيناء والضفة الغربية، ان هذه نكسة واقل من هزيمة، وان اسرائيل لم تحقق اهدافها باسقاط الأنظمة التقدمية في مصر وسورية، وعزت هذه النكسة الى اسلوب الحروب التقليدية، وان الحل في اعتماد الكفاح الشعبي المسلح وإطلاق حرية العمل الفدائي على كافة الجبهات، ولم يكن ذلك تبنيا لخيار حرب الشعب، كما تراءى لأجيالنا الشابة في حينه، بل كان محاولة لمزيد من الانكار والتغطية على بنى العجز العربية التي تقود دول المنطقة، لانه سرعان ما تم اقفال الجبهات التي فتحت تباعا بعد حرب تشرين، في مصر و الأردن والجولان، وخرج عرفات من بيروت التي وصلت اليها قوات جيش الاحتلال، رافعا راية النصر ليوقع بعد ذلك في أوسلو اتفاقا يعترف بدولة اسرائيل مقابل سلطة حكم ذاتي فلسطيني في غزة والضفة الغربية.

هزيمة حزيران سنة ١٩٦٧ كانت هزيمة لكل المنظومة السياسية العربية وتشكيلاتها السياسية والحزبية

وفي الحقيقة ان هزيمة حزيران سنة ١٩٦٧ كانت هزيمة لكل المنظومة السياسية العربية وتشكيلاتها السياسية والحزبية، ولنمط الثقافة السياسية التي تمارس المواجهة بالشعارات بديلا للبرامج والتراكم والآليات، وللنموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي اطلق عليه؛ نموذج التطور اللاراسمالي، والذي اقامته انظمة الضباط العسكريين القادمين من الريف، حيث قادوا دولا امنية، واقتصادا موجها، كان قليل الانتاجية رغم انجازه بعض الإصلاحات القليلة، ونظاما تعليميا غير كفوء او تنافسي، بعد ان اعتنقوا أفكار القومية العربية بجناحيها الناصري والبعثي.

وحدث الإنكار ايضا بعد إحتلال العراق من قبل الجيش الاميركي، فاشاح العرب بأنظارهم عن هزيمة العراق كدولة ووطن، ليملؤوا الدنيا ضجيجا بسلبيات نظام صدام حسين وممارسات إستبداده وبطشه وتفرده بالسلطة والقرار.

الانهيار والافلاس ليس نتيجة خلل في ميزان القوى العسكري فقط، بل ان هذا الانهيار اصله في المنظومة العقائدية والسياسية

اليوم ومجددا، لم تكن هزيمة محور الممانعة من طهران الى بغداد مرورا بنظام الاسدين وحتى حزب الله في لبنان وصولا الى نكبة غزة فوق انقاض حركة حماس وبنيان هيكلياتها وقياداتها، اقل الما ودويا من هزيمة الخامس من حزيران، ولم تكن هذه الهزيمة هزيمة عسكرية بين فريقين في حرب، بل كانت انهيارا وافلاسا كاملا لكامل الاسلام السياسي الجهادي، نظرية وممارسة، وفي شقيه الشيعي والسني.
والانهيار والافلاس ليس نتيجة خلل في ميزان القوى العسكري فقط، بل ان هذا الانهيار اصله في المنظومة العقائدية والسياسية، التي ورثت اغلب شعارات وقضايا واصطفافات الحركة القومية العربية، وزادت عليها رؤية تعتمد معاداة العالم اجمع، وتعتمد مهارات وكفاءات لادارة الحروب والدول، لا تصلح ولا تنجح الا بادارة المساجد، وتعتمد في ايجاد الحلول وتسيير امور الحياة والناس، مفاهيم غيبية وسرديات اسطورية، تعلي شأن الايديولوجيا في مواجهة التكنولوجيا، وتواجه بالأوهام والتمائم والادعية، منجزات البحث العلمي والتقنيات الحديثة، وفيما تنسب لنفسها جملة قيم اخلاقية ، والدعوة للالتزام بمعايير النزاهة والعفاف المالي، تمارس على ارض الواقع والحقيقة مختلف انواع الفساد والتربح من السلطة ونهب موارد البلاد وصرف النفوذ، وفي عباءة قداسة مزعومة تنتهك حرية الانسان وتقيم منظومات بطش واستبداد، لا يخضع صاحب السلطان فيها لاية مساءلة او محاسبة…
 والانكسار والانهيار كان شاملا ليطال النموذج الثقافي والاجتماعي، ونظام المصالح الاقتصاديةالذي بنته ايران في ايران ذاتها وبقية دول المحور التي سيطرت عليه وتحكمت بقراراته وخياراته.
فقد حولت ولاية الفقيه ايران من دولة لها تاريخ عريق، وتتمتع بموارد بشرية وعلمية رفيعة وبثروات طبيعية غنية ومتنوعة، الى بلد يعيش ٣٠% من سكانه تحت خط الفقر حيث بلغ عدد الفقراء 26 مليون شخص في عام 2021 .

وينخفض فيه مستوى الخدمات الانسانية الاساسية، ويستمر تدهور الطبقة المتوسطة بسبب انخفاض قيمة العملة، حيث يعاني المواطن الإيراني من انخفاض القدرة الشرائية بسبب التضخم المرتفع.  
تعاني إيران من أزمات بنيوية بسبب العقوبات وسوء الإدارة، ومن تحديات في القطاع الصحي بسبب العقوبات ونقص الموارد، وتحاول تطوير السياحة العلاجية وتقدم خدمات صحية بأسعار معقولة، لكنها تعاني من نقص في البنية التحتية وطول فترات الانتظار في المستشفيات العامة. أما في التعليم فتعاني ايران من نقص التمويل وضعف البنية التحتية التعليمية بسبب الأزمات الاقتصادية، بعض الجامعات الإيرانية معترف بها، لكن الطلاب يفضلون الدراسة في الخارج (مثل تركيا) بسبب جودة التعليم الأعلى .  وتعاني من أزمة كهرباء حادة، مع انقطاعات متكررة بسبب ارتفاع الطلب بنسبة 13.6% في 2025 وتعتمد بنسبة 92% على الوقود الأحفوري. ويضطر المزارعون لاستخدام الألواح الشمسية بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

العراق الذي شكل نموذجا للشراكة السياسية بين اميركا وايران خاصة خلال فترة حكومات المالكي، فقد حولت ثرواته الطبيعية وموارده المالية، الى موضوع نهب متمادي

اما في العراق الذي شكل نموذجا للشراكة السياسية بين اميركا وايران خاصة خلال فترة حكومات المالكي، فقد حولت ثرواته الطبيعية وموارده المالية، الى موضوع نهب متمادي ومستمر لصالح الاحزاب الدينية العراقية من حلفاء ايران، والى صندوق تمويل، لمختلف نشاطات الحرس الثوري الايراني في الاقليم، وخاصة لنظام الاسدين ولحزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد في فلسطين. وتقدر مصادر سياسية واقتصادية جادة ان حجم المنهبة المالية التي ادارتها ايران وحلفائها في العراق منذ سنة ٢٠٠٨ تتعدى ال ٨٠٠ مليار دولار اميركي، في ظل فشل مستدام منذ عشرين سنة في تجديد البنى التحتية وغياب الخدمات العامة الاساسية في التعليم والصحة والكهرباء والنقل ومياه الشفة والسياحة.

يستمر خراب خامنئي، الذي يزعم لنفسه، تكليف إلهي، لقيادة مستضعفي العالم في وجه الشيطان الأكبر أميركا، يستمر الخراب ليشمل سورية التي تحتاج الى اكثر من ٢٥٠ مليار دولار لإعادة إعمارها، فيما تحتاج غزة لتعود أرضا يمكن العيش فيها بعد ٧ سنوات، الى ١٨ مليار دولار، كما يحتاج لبنان لازالة دمار “حرب إسناد غزة” الى أكثر من ١٢ مليار دولار اميركي، فبعد ان نُكِبت دول المشرق العربي، بلغ خراب الخامنئي ذروته في الحديدة وصنعاء في اليمن، ولم يتوقف الا في بندر عباس، في اللحظة هذه، تذكر الولي الفقيه ان الامام الحسن قد تصالح مع معاوية،  واستحضر الآية القرآنية الكريمة؛ النص الحرفي للآية هو:”وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (سورة الأنفال، الآية 61).وترك الفقيه ما داب على الدعوة لفعله، من نصرة ابناء الحسين في وجه اتباع يزيد، الى الاقتداء بالامام الحسن ووفاقه مع معاوية. 

لا فرق جوهري بين الاقتداء بالحسين والشهادة في كربلاء او اتباع خيار الحسن والمصالحة مع معاوية، فكلا الخيارين على تناقضهما ينتميان الى دائرة الزعم بالقداسة، ويؤديان الى مرضاة الله على عباده.

لا فرق جوهري بين الاقتداء بالحسين والشهادة في كربلاء او اتباع خيار الحسن والمصالحة مع معاوية

فاذا اختار الولي الحرب كانت مقدسة، كما منزلة الحسين في وجدان اتباعه، وإن اختار المصالحة كانت مقدسة كمنزلة الحسن لدى الناس انفسهم، واذا كان الأمر كذلك في كلا الحالين فكيف يمكن أن يخرج ضحايا الفقيه من حالة الإنكار المقدس!؟
وكيف يستطيع بشري أن يدقق ويختبر صحة خيار ادى لخراب عميم، وان يسعى للمراجعة والنقد والاصلاح!؟ وكيف يعتبره خطأ تثبته حقائق الدنيا ويتوجب ان يصحح! اذا كانت سعادة الآخرة ووعودها تذهب بالاتجاه المعاكس!؟

وعقدة الإنكار  المقدس هذه، لا تنحصر بتزييف واقع الهزيمة وتلميع نتائجها بل تطال انكار الجرائم الجماعية التي ارتكبتها الجماعات عينها، أو إنكار حقيقة الفظائع ومآسي شعب غزة،  التي تخللت حروبها.  بل وتسعى لإعادة كتابة التاريخ ومحاولة تزوير الحقائق لإنقاذ صورة الجماعة  وترويج مقولة: / كنا دائمًا على حق/.

عقدة الإنكار  المقدس هذه، لا تنحصر بتزييف واقع الهزيمة وتلميع نتائجها بل تطال انكار الجرائم الجماعية التي ارتكبتها الجماعات عينها

والإنكار المقدس هذا، يمنع التقييم الموضوعي ويؤدي لعدم الإعتراف بالأخطاء وينتج انقساما في المجتمع، بين من يقبل الحقيقة ومن يرفضها، مما يؤدي إلى صراعات هويات وتفجر عصبيات بدائية وغرائز فئوية. كما يغذي الكراهية تجاه “الآخر” المُتَّهَم بأنه سبب المشكلة، فعندما تفشل جماعة أو أمة في تحقيق أهدافها مثل الاستقلال، او النصر في الحرب، او تحقيق النهضة الاقتصادية، قد يتحول الإنكار إلى بحث عن كبش فداء كإلقاء اللوم على أقليات أو قوى خارجية.  كما يؤدي الى الارتداد نحو الأيديولوجيات المتطرفة، وإلى الخطابات الدينية أو القومية التي تتبنى عنفا اعمى و يائسا لتعويض الإحساس بالإهانة.  

لا يتم تجاوز الإنكار  إلا بالاعتراف بالمشكلة، وتقبّل النقد البنّاء واعتماد الحوار الموضوعي، والمصالحة مع التاريخ، والاعتراف بالخطأ لبناء مستقبل مشترك…
والفرق بين النمو والتقدم و بين الانهيار والتخلف هو القدرة على مواجهة الحقيقة بالصدق ونبذ الأوهام و فضح النفاق.

السابق
نهاية حقبة.. مريم البسام تغادر قناة «الجديد» بعد التقرير المثير للجدل
التالي
برعاية رئيس الحكومة: افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ66