قراءة سريعة حول انقسام مجلس الوزراء في تعيين حاكم المركزي!

مصرف لبنان

كان من الضروري عدم التسويف في التعيين في هذا المركز المِفصلي الحساس، اي حاكمية المصرف المركزي اللبناني، كان من الضروري ان يذهب الرئيس الواعِد جوزيف عون اليوم الى لقاءات القمة في باريس مُحصَّناً وفي يده هذه الورقة ليُشهرها سلاحاً امام من يقول لنا من الدول الناظمة لحياتنا بعد اليوم، وما اكثرها هذه الايام مع الاسف، والتي تشترط علينا ان لا تمويل الا بعد الاصلاحات، وليقول ان لبنان بدأ بتنفيذ تعهداته بالإصلاح ولن يكون هناك تسويف ومَضيعة للوقت.

 طبعا قد يكون في اجندات البعض نيات مُبيتة لاضعاف الرئيس، وهذا لم يحصل بالامس، والرئيس كان حاسما لمنعه، وحسناً فعل. فلبنان هو اليوم في الممر الضيق، والرئيس هو حجر الزاوية في إمكانية العبور الصحيح من اجل بناء عناصر العودة الى التعافي.

أبعد من انقسام

لكن ما شهدناه بالامس، هو ابعد من مشهدية انقسام عامودي وافقي، بين رأسي السلطة التنفيذية، وهو ابعد من عملية شد حبال في اعلى هرمية الدولة في ادق مرحلة من تاريخ لبنان تتطلب بالعكس التكاتف والتعاون والتناغم بين رأسي السلطة، فالمشكلة تظهَّرت كتجاذب خطر بين فريقين سياسيين في عمق السلطة التنفيذية وفي هذه الحكومة بالتحديد، لكل منهما توجهاته ومصلحياته واهدافه وشبكاته المالية والاعلامية. فهناك صراع خفي أمسى علني بعد الامس، بين صيغتين لتحالف حيتان المال والسياسة في لبنان، الصيغة السياسية المالية القديمة التي صوتت “مع” بالامس، والصيغة السياسية المالية الجديدة، الداخِلة للحكم والحكومة والدخيلة، تحت غطاء خطاب “التغيير”، والتي تريد ان تحل مكان القديمة، التي صوتت علنا “ضد” بالامس. الخطورة هنا والمعركة لا تزال مفتوحة على مصراعيها.

انا بالطبع، مِن الذين ينتقدون نظريات ومناهج ما سُمِّي خطأ “بالديمقراطية التوافقية اللبنانية” التي امست “ديمقراطية مصلحية وديمقراطية مُحاصصة” اوصلتنا الى ما نحن عليه من تفكك وفساد كونها امست بلبنان عنوانا للمصلحية والمحاصصة والفساد. ما غاب عن الكثيرين بالامس، ان التصويت في مجلس الوزراء هو ضرورة ديمقراطية وهو من صلب عمل المجلس والسلطة التنفيذية.

فهناك صراع خفي أمسى علني بعد الامس، بين صيغتين لتحالف حيتان المال والسياسة في لبنان، الصيغة السياسية المالية القديمة التي صوتت “مع” بالامس، والصيغة السياسية المالية الجديدة، الداخِلة للحكم

 لكن يا سادة يجب ان يبقى التصويت ونتائجه من ضمن سرية المُداولات الاجرائية في مجلس الوزراء ولا يتم تظهيره كما حصل بالامس كانقسام عامودي وافقي في العمق، فالسلطة التنفيذية تأخذ القرار وكل الحكومة تتضامن معه، الا اذا اراد من ربح بالامس بالتعيين، ان يُظهر ربحه انه ربح للحرب، ومن خسر بالتعيين ان يظهر ان خسارته خسارة جولة، ولكن ليست خسارة الحرب، كما قال النائب ابراهيم منينمة اليوم، وهنا الخطورة في ما حصل بالامس، اي اننا في معركة مستمرة ضمن مجلس الوزراء.

اما التناقضات والامور المقلقة الاخرى،  فلقد ظهرت علنا ايضا بالامس عندما تم تسريب مداولات في مجلس الوزراء انه تم وَضع اقتراح استدعاء المرشح  في آخر دقيقة للتعرف عليه وارائه و توجهاته على طاولة المجلس، مما يعني ان مجلس الوزراء لم يكن على بَيِّنة في عمق عملية التعيين، ولم يكن على بينة في اسباب التعيين الموجبة الجوهرية، اي الرؤية والخطة والأفكار المالية الانقاذية التي يحملها المرشح وتوجهاته في الملفات الاساسية، مقارنة مع غيره !

تساؤلات مشروعة

 المقلق ايضا، ظهر علناً عندما ظهَّر رئيس الوزراء بعد الجلسة امام الاعلام معارضته للمرشح الذي تم تعيينه مشيرا ان هذه المعارضة مبنية على اسباب جوهرية لمَّح فيها انها تتعلق بالودائع والاصول.

هل سيُطلق عنان التدقيق الجنائي الشامل والشفاف والمستقل والتحقيقي الصارم، وليس فقط التدقيق الداخلي في الوزارات؟

والمقلق ايضا انه قال ان على الحاكم الامتثال لسياسة وخطة الحكومة المالية الانقاذية، لكن المشكلة اننا لا نعرف ولا اللبنانيين يعرفون ما هي خطة الحكومة المالية الانقاذية والتي اظهرت عملية تعيين الحاكم بالامس، بالتصويت، انها “منقسمة بالعمق”!

مهما يكن يجب الكف عن القراءة بالنيات، ولننتظر القرارات وتوجهات الحاكم الجديد آملين ان يكون دوره باخراح لبنان من هذه التناقضات المصلحية. فاليوم كل العيون شاخصة عليه في الملفات التالية:

– كيف سيتعامل مع قضية المودعين الوطنية المقدسة، كل المودعين؟

هل من منطلق قانوني يُعيد الحق لصاحبه دون تسويف وهيركات مُقنع؟ هل سيمنع كل خطط شطب الودائع، الخطط المقنعة و او العلنية؟

هل سيُطلق قطار المساءلة القانونية والقضائية والمطالبة بعودة الاموال المنهوبة والمُحولة من المصارف اللبنانية للخارج؟

هل سيُطلق عنان التدقيق الجنائي الشامل والشفاف والمستقل والتحقيقي الصارم، وليس فقط التدقيق الداخلي في الوزارات؟

هل سيضع حد للانبطاحية اللبنانية امام صندوق النقد، وهو قيل عنه، وهذا ايجابي، انه ليس مع خيار الاتفاق مع صندوق النقد الذي يريد من خلاله الاوصياء الدوليين الجدد على لبنان أسر لبنان اكثر فاكثر بسياسات فيها قيود كثيرة ضربت في بلدان اخرى كل امكانية تعافي مالي واقتصادي ومصرفي؟

انا اعرف كريم منذ ايام دراستنا للقانون في اليسوعية واعرف ذكاؤه وعلمه وثقافته وتجذره في عائلة ومدرسة سياسية سيادية عريقة تُعلي الشان العام. لذا نتمنى له النجاح والقدرة على تخطي تناقضات المنظومة السياسية ومصلحياتها والتي لا تزال تسيطر على المفاصل اللبنانية والتي يحاول الرئيس الواعد جوزيف عون ان يُحِدّ من مَساوئها.

من الرب نطلب!

إقرأ ايضا: ايجابيتان وسلبيّة كبرى في الصراع على حاكميّة مصرف لبنان

السابق
بالفيديو: حركة نزوح كثيفة من الضاحية ووزيرة التربية تدعو لإخلاء المدارس في المنطقة
التالي
بالفيديو: مسيرة اسرائيلية نفذت غارة بصاروخ تحذيري على منطقة الحدث في الضاحية