مما لاشك فيه بأن عملية إستعادة الدولة لسيادتها على ترابها الوطني، عملية شاقة وطويلة، وبالطبع لن تُنجز بين يوم وليلة، بل ستكون مسار عملي طويل وصعب، ولن يأتي نتيجة مساومات ونقاشات وتحليل من هنا واعتراض من هناك، بل ستكون مسيرة طويلة ومعقدة يكتنفها صِعاب ومشاكل نتيجة تحلل الدولة، وممارسة الطبقة السياسية بعد اتفاق الطائف أعتى اشكال النهب للمال العام، الى جانب إدخال الاف الازلام والمحاسيب الى الادارة العامة وفي كل مؤسسات الدولة اللبنانية .
نجاح التعيينات
وهذا الامر ليس صعباً بقدر ما هو مستحيل، وخصوصاً ان الثلاثون عاماً التي اعقبت اتفاق الطائف وتحوله لدستور للبلاد، لم تستطع القوى السياسية والاجتماعية في طول البلاد وعرضها انتاج مشروع سياسي تحرري وازن يملك كلمة الحل والربط في سياسة البلاد وسيادتها، بل الجميع دخلوا في لعبة المحاصصة وازدادت حدة الطائفية والمذهبية اكثر ماكانت عليه في فترة الحرب الاهلية البغيضة، فتكرست في زمن السلام واخذت منحى اكثر تصاعدي وتراكمي، فحكومات العهود المتعاقيبة بدل تطبيق البنود الاصلاحية في اتفاق الطائف ومنها تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس للشيوخ واجراء الانتخابات النيابية على اساس القيد الوطني، فقد تم تكريس الطائفية عبر القوانين الانتخابية المتعاقبة والممارسات والتي اوصلت البلاد لمنزلقات وخيمة كرست الطائفية، لا بل المذهبية في كل النواحي وجعلت من امراء الطوائف حراس المذهبية وابتدعوا اعراف وتقاليد في السياسة اللبنانية لم يعرفها لبنان حتى في سنوات الحرب العِجاف والطويلة .
الجميع دخلوا في لعبة المحاصصة وازدادت حدة الطائفية والمذهبية اكثر ماكانت عليه في فترة الحرب الاهلية البغيضة، فتكرست في زمن السلام
الالتفاف حول الحكومة
لهذا، على من يرفع الصوت معترضا على التعيينات العسكرية الاخيرة التي قامت بها حكومة نواف سلام، عليه ان يتذكر بأنه طوال الاعوام الماضية لم يُبتدع سوى اعراف وتقاليد سياسية، سهلت على من يُريد بلبنان سوءاً وشروراً ان يدخل سريعا بحلف الممانعة والقوى الظلامية، التي بنت دويلتها على حساب الدولة اللبنانية، وصادرت قراري الحرب والسلم، واثخنت في جسد لبنان جِراحاً يتطلب التئامها سنوات وسنوات وجهد كبير للملمة جراح الشعب والوطن والعودة الى ممارسة سياسية سليمة، في دولة ذات سيادة فاعلة تستعيد دورها في محيطها العربي والاقليمي .
لذا، يتطلب من قوى المجتمع الحية ان تلتف حول الحكومة الوليدة، كي تعاونها على استعادة الدولة لسيادتها وتكون داعمة لها عبر مشاريع قوانين وممارسة سياسية حقيقية، تعتمد الشفافية في طرح الامور بدل التقوقع في تجمعات ومنابر وحالات تنتقد وتُعطي النصائح وكأنها تعيش حالة الترف السياسي وكأن لبنان قد تعافى، وغاب عن فكر جهابذة النقد والنصح اننا لازلنا نعيش في دولة جزء من اراضيها يخضع للاحتلال ويعيش الوطن ازمات اقلها اقتصادية مُميتة ومؤلمة، وهذا ما يتطلب اجتماع كل الارادات الواعية والواعدة لدعم العهد وحكومته، بدل وضع العصي في دواليبه والانتظار عند كل منعطف للتجريح وتلاوة فعل الندامة، وكأن السياسة في لبنان تعيش مجدها الفعال وليس انها تتلمس طريقها بين الانقاض والدمار التي تسببت به الدويلة وحملت لبنان مآسي وحروب غير قادر على تحملها.
يتطلب من قوى المجتمع الحية ان تلتف حول الحكومة الوليدة، كي تعاونها على استعادة الدولة لسيادتها وتكون داعمة لها عبر مشاريع قوانين وممارسة سياسية حقيقية
فالمطلوب من كل قوى المجتمع الحية مواكبة العهد وحكومته، وتقديم يد العون والمشورة الحقيقية بنوايا سليمة وفعالة بدلاً من التخوين والتجريح عند كل قرار وفعل، والسعي في توفير اجواء سياسية مريحة، لتأخذ حكومة العهد وقتها في تنفيذ ما ورد في بيانها الوزاري خدمة لمصالح لبنان واللبنانيين .

