طالما أن الثورة خرجت من المساجد فلا خوف على سوريا “، كلمات قالها الرئيس السوري أحمد الشرع في خطاب له في مسجد الأكرم في دمشق، في عز ” المقتلة ” التي كانت ولا تزال للأسف دائرة في مدن وريف الساحل السوري، والناتجة عن ما قيل أنها محاولة ” إنقلاب ” قامت بها فلول من النظام الأسدي البائد في محاولة لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء سيما وأن هذه المحاولة أتت في الذكرى 62 – هل هي مجرد صدفة ؟ – لإنقلاب 8 آذار 1963 – مع إختلاف الظروف بالطبع – حين إستولى يومها حزب البعث العربي الإشتراكي على السلطة في سوريا بعد شهر على إنقلاب مماثل في العراق في الثامن من شباط 1963 .
فشلت المحاولة في أقل من يومين وتحوَّلت إلى ” مقتلة ” متبادلة وكان للمدنيين الأبرياء بمعظمهم، حصة ” الأسد ” من القتل والإرهاب بحيث تجاوز عددهم في آخر الأخبار ال 1300 ضحية غالبيتهم من العلويين، ما يطرح السؤال عن مدى جدية القائمين بالعملية وحدودها، كذلك الملابسات التي أحاطت بها والأطراف الداعمة لها خاصة بعد الأنباء التي تواترت عن تقديم موعدها بسبب إكتشافها من قِبل المخابرات التركية ما دعا لتحرك تركي بري وجوي كان على ما يبدو عاملاً حاسماً في إحباط العملية عبر إستعراض للقوة بمواجهة آخرين ربما منعهم من التدخل في الأحداث، ما طرح تساؤلات جدية لدى بعض المراقبين عما إذا لم تكن هذه العملية بالأصل نتاج خطة منسقة ومخطط لها سلفاً للتنفيذ بالتوافق والتزامن مع هجمات لقوات ” قسد ” وتحركات لبعض أطراف الحراك في السويداء الذي إزدادت وتيرته بعد التصريحات الإسرائيلية المحرضة والتي تدَّعي حماية الدروز ضد الحكم الجديد، والتي يبدو أن التحرك التركي أحبطها ما ترك العلويين في العراء لوحدهم يدفعون الثمن، في حين أن ” الثمن السياسي” لفشلها – إن صح التعبير – قد تم دفعه مباشرة وبفارق يوم واحد عن إعلان إنتهاء المعركة وهو إتفاق وقعته الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية ” قسد ” مظلوم عبدي يقضي بإنضمام هذه الأخيرة إلى مؤسسات هذه الإدارة، ومن ثم مع الأطراف الفاعلة في حراك السويداء ما أضفى نوعاً من التنفيس للأزمة و” إرتياح ” ما بعد المجزرة – إن صح التعبير.
تريَّفت المدن في سوريا وصودرت الحريات السياسية النسبية التي كانت قائمة نتيجة سوء إدارة شؤون الحكم والصراعات بين ” الرفاق “، كما ضاعت البقية الباقية من فلسطين
عودة الاسلام السياسي
جاء تصريح الرئيس السوري عن ” ثورة المساجد ” في ظل هذه الظروف ليضفي على الأوضاع طابعاً سوريالياً مأساوياً، بحيث أن هذا الكلام يأتي نتاج حوالي 75 عاماً من التحولات السياسية في المنطقة العربية التي بدأت مع إستقلال هذه الدول عن الإستعمار، وإستلام السلطة من قِبل النخب السياسية المُدنية في المجتمعات العربية التي تخرجت بأغلبيتها من الجامعات الغربية، مع ما يعنيه هذا من قيام سلطات قريبة نسبياً من النموذج الغربي من حيث تنافس الأحزاب السياسية وإجراء إنتخابات نيابية وغيرها من الممارسات التي إختفت بعد ذلك ، عندما إنتقلت السلطة من خريجي الجامعات إلى ” خريجي الثكنات ” الذين كانوا بأغلبيتهم من الطبقة الريفية فبدأوا بالإنقلاب على هذه السلطات الواحدة تلو الأخرى بحجة التبعية للإستعمار والتآمر على قضية فلسطين والفساد، فكان أن تريَّفت المدن وصودرت الحريات السياسية النسبية التي كانت قائمة نتيجة سوء إدارة شؤون الحكم والصراعات بين ” الرفاق “، كما ضاعت البقية الباقية من فلسطين نتيجة سوء إدارة الصراع مع العدو والسياسات ” الشعبوية ” والمزايدات بين أنظمة الحكم المختلفة والصراع بينها، الذي أدى بالبعض منها لإستحضار التيار الديني الذي كان بعضه يقبع في سجون هذه الأنظمة لمحاولة موازنة الصراع مع بقية المكونات السياسية من يساريين وقوميين، وتزامن ذلك مع إنتصار ” الثورة الإسلامية ” في إيران من جهة، وبداية ” الجهاد الإسلامي ” في أفغانستان من جهة أخرى، ما أعطى الفرصة والدعم لهذا التيار بكل تفرعاته لكي ينمو ويكبر ويخرج من المساجد إلى الساحات والميادين، فبدأ بحصد المزيد من أصوات الناس الذين أنهكتهم مغامرات العسكر وتوحش أنظمتهم وفسادها، فإنقلب السحر على الساحر كما حصل بداية في الجزائر حيث فاز الإسلاميون بالإنتخابات فلم يبلع العسكر هذا الفوز ودخلت الجزائر في تسعينيات القرن الماضي دوامة الحرب الأهلية لأكثر من 10 سنوات هلك فيها عشرات الآلاف من البشر .
اقرأ أيضا: لبنان وسوريا في حمى «الخُماسِيتين».. والعروبة لمواجهة المشروع الاسرائيلي!
بعدها ومع إستمرار التراجع العربي والفشل في مواكبة المتغيرات المجتمعية والسياسية، ومع تطورات ما بعد هجمات11 سبتمبر 2001 وما أفرزته من إحتلال لأفغانستان والعراق، تعاظم دور ” الإسلام الجهادي ” حد الإنفلات من عقاله في ميادين الحرب، كما تعاظم دور ” الإسلام السياسي ” في الساحات العامة خاصة مع بدء ثورات ” الربيع العربي ” حد النجاح في الإنتخابات في كل من مصر وتونس قبل أن تنقض عليه ” الدولة العميقة ” عبر ” ثورات مضادة ” أطاحت به بداعي الفشل في إدارة شؤون البلاد والعباد، بالرغم من مدة حكمه القصيرة نسبياً وإختلافها من بلد لآخر، كذلك في ليبيا حيث الوضع تحول إلى حرب أهلية وإنقسام البلد بين شرق وغرب، لتغدو هذه التجارب ليست بأفضل حالاً من التجارب السابقة، واليوم في سوريا حيث فرحة سقوط نظام الأسد وما تلاها من تغييرات أعطت الأمل بغد أفضل لم تستمر طويلاً، لتأتي اليوم أحداث الساحل وتجاوزاتها لتطيح بكل هذه الآمال التي عاشتها الناس لمدة 3 أشهر فقط، في الوقت الذي يرى فيه الرئيس السوري بأن البلاد بخير ما دامت الثورة خرجت من مساجدها، فإذا كان الخروج من المساجد يأتي بهذا الكم من الظلم والمجازر فعلى الدنيا السلام .
هكذا كانت إذن مسيرة المنطقة والشعوب العربية بغالبيتها مخضبة بالدماء ومليئة بالعذابات ومخيبة للآمال، وبدا وكأنه كُتب على هذه الأمة أن تختار دائماً بين السيء والأسوأ وليس بين الحسن والأحسن، لتتنقل من حكم خريجي ” الجامعات ” الذي كان يراه البعض سيئاً فيما يحن البعض الآخر إليه بعد كل ما جرى، إلى حكم خريجي ” الثكنات ” وهو أسوأ كما يراه البعض الآخر بعد كل التجارب الفاشلة، إلى حكم خريجي ” المساجد ” وهو الأسوأ كما يراه الكثيرون من الناس اليوم، فأين المفر ؟

