يطرح الأستاذ الفقيه المجدِّد السيد علي الأمين أنَّ “وحدة الأمة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي أصل شرعي واجب التحقيق”، مستدلاً بالنصوص الدينية والسيرة العملية للصحابة والأئمة، مما يجعله مقصداً ـ سادساً ـ شرعياً مُلزماً في الاجتهادات الفقهية والأحكام الشرعية. والمقاصد الخمسة التي حدَّدها العلماء عبر التاريخ خمسة مقاصد رئيسية هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ المال، وحفظ العقل.
إنَّ هذا الطرح، رغم ظاهره المتماسك، يواجه إشكاليات جوهرية عند إخضاعه للنقد العلمي، سواء من ناحية التاريخ الإسلامي، أو النصوص الشرعية، أو البناء الأصولي للمقاصد الشرعية.
1 ـ ضبط المصطلح: هل “وحدة الأمة” مقصد شرعي ملزم؟
قبل مناقشة صحة هذا الطرح، لا بد من تحديد طبيعة المقاصد الشرعية، لأن المقصد في علم أصول الفقه ـ كما درسنا على يديه ـ ليس مجرد قيمة عليا، بل هو أساس تُبنى عليه الأحكام. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل وحدة الأمة غاية نهائية بحد ذاتها، أم أنها مجرد وسيلة لتحقيق مقاصد شرعية أخرى مثل العدل والاستقرار؟ فإذا كانت وسيلة، فكيف يمكن أن تكون “ملزمة” في ذاتها، حتى لو تعارضت مع مقاصد أعظم مثل إقامة العدل ومقاومة الظلم؟
2 ـ إلزام الفقيه بالتاريخ: تناقض الطرح مع السيرة العملية.
إذا كانت السيرة العملية للصحابة والأئمة تؤكد على وحدة الأمة، فلماذا امتلأ التاريخ الإسلامي بالثورات والانقسامات والحروب الداخلية منذ اللحظة الأولى بعد وفاة النبي محمد (ص)؟
حروب الردة في زمن أبي بكر: لو كانت الأولوية للوحدة، ألم يكن الأجدر بالدولة التفاهم مع القبائل بدلاً من قتالها؟
معركة صفين والجمل: لماذا قاتل الإمام علي بن أبي طالب (ع) معاوية وعائشة، رغم أن ذلك أدى إلى انقسام الأمة؟
ثورة الإمام الحسين (ع): إذا كانت وحدة الأمة مقصداً شرعيَّاً وواجباً، فلماذا خرج الحسين (ع) على يزيد وعرَّض الأمة للانقسام؟ هل كان خروجه مخالفاً لهذا المقصد؟
هذه الأمثلة تنقض تماماً الاستدلال بالسيرة العملية، لأنها تكشف أن وحدة الأمة لم تكن مطلقة، بل كانت تتراجع أمام مقاصد أخرى أهم، مثل: مقاومة الظلم وإقامة العدل.
إذا كانت السيرة العملية للصحابة والأئمة تؤكد على وحدة الأمة، فلماذا امتلأ التاريخ الإسلامي بالثورات والانقسامات والحروب الداخلية منذ اللحظة الأولى بعد وفاة النبي محمد (ص)؟
3 ـ تناقض الطرح مع النصوص الشرعية.
القرآن الكريم نفسه لا يجعل “وحدة الأمة” مقصداً مطلقاً، بل يقدم عليها العدل ومقاومة الظلم، كما في قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار) ـ هود ـ 113. مما يدل على أن العدالة مقدمة على الركون إلى الجماعة الظالمة. (إن أريد الإصلاح ما استطعت) ـ هود ـ 88. حيث جعل الإصلاح مقصداً، حتى لو أدى إلى الانقسام.
4 ـ الخلاصة: إلزام الفقيه بنتائج منطقه؟
إذا كان الفقيه الأستاذ السيد علي الأمين يرى أن وحدة الأمة مقصد شرعي ملزم، فعليه أن يجيب على هذه التناقضات:
هل كانت ثورة الحسين (ع) خطأ شرعياً لأنها أدت إلى الانقسام؟ وهل كانت حروب الصحابة انحرافاً عن مقصد الشريعة؟ وكيف يفسِّر وجود نصوص قرآنية تقدم العدل على الجماعة؟
إذا لم يستطع تقديم معيار فقهي واضح، متى تكون وحدة الأمة ملزمة، ومتى تسقط أمام العدل، فإن هذا المبنى يتهاوى من أساسه. وبالتالي، فإن وحدة الأمة لا يمكن اعتبارها مقصداً شرعياً ملزماً بإطلاق، بل هي وسيلة تخضع لأولويات أخرى، على رأسها العدل ورفض الظلم.
بعد هذه المناقشة حول مفهوم وحدة الأمة ـ كمقصد شرعي ملزم، نجد أن مفهوم الوحدة ليس بالضرورة أن يكون الهدف النهائي في الشريعة الإسلامية، بل يمكن أن يكون مفهوم العدالة. خاصة إذا كانت الجماعة تتحمل الظلم. لهذا، نجد في أحداث تاريخية مختلفة، كما ذكرنا في بداية المقال، أن الدين قد يتطلب في بعض الأحيان التمرد على الظالمين بدلاً من السعي لوحدة مزيفة. كما أن التأكيد على العدالة في سعي الأنبياء والأئمة (ع) يناقض ببساطة مقولة “وحدة الأمة كغاية شرعية ملزمة”، الأمر الذي يستدعي إعادة التفكير في هذا المبدأ.
هل الدِّين وحدة الجماعة أم ثورة على الظالمين؟.
يُقال بأنَّ ابن عمر رأى الإمام الحسين (ع) أثناء خروجه على يزيد فقال له: “أناشدك الله يا أبا عبد الله أن لا تفرِّق جماعة المسلمين”. فقال الإمام الحسين (ع) له: “والله يا ابن عمر، لو كان أبوك حيَّاً لنصرني”… ويقال أنَّ “محمد بن الحنفية، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير” أشاروا عليه بالإمساك وعدم الخروج والذهاب إلى الكوفة ـ بحار الأنوار ـ المجلسي ـ ج 44 ـ ص 264. كتاب اللهوف على قتلى الطفوف ـ ابن طاووس ـ 53 ـ 56.
يقول القرآن الكريم: “كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم” البقرة:213. وقال تعالى: ” ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكنَّ الله يفعل ما يريد” البقرة: 253. قال القرآن ذلك جواباً لقريش حين اتهمت النبي محمد (ص) بأنه فرَّق الجماعة، وهذا الجواب يشبه جواب الإمام علي (ع) حين اتهمه معاوية بأنه فرَّق جماعة المسلمين، ومن الغرائب التي يجدها الباحث في تاريخ تلك الفترة، أنَّ معاوية عندما خرج على الإمام علي (ع) كان يقول بأن جماعة المسلمين بجانبه وأن علياً (ع) هو الذي خرج عليه.
إن وحدة الأمة لا يمكن اعتبارها مقصداً شرعياً ملزماً بإطلاق، بل هي وسيلة تخضع لأولويات أخرى، على رأسها العدل ورفض الظلم.
كتب معاوية إلى الرسل الذين أرسلهم الإمام علي (ع) إليه: “أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة. فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا. وأما الطاعة لصاحبكم فلا نراها…” كتاب الدولة الأموية في الشام ـ ص 13 ـ 14 ـ أنيس النصولي. ومما جاء في جواب الإمام علي (ع) إلى معاوية: “أما بعد. فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرَّق بيننا وبينكم أنَّا آمنَّا وكفرتم، واليوم أنَّا استقمنا وفتنتم..” محمد عبده ـ نهج البلاغة ـ ج 3 ـ ص 134. يصح القول هنا، توجد طائفة جماعة وطائفة عدالة، والإمام علي (ع) هو الإمام المفترض الطاعة واستقامة المبدأ الذي يسعى من أجله، إنه العدل.
هذا هو المبدأ الذي جاء به الأنبياء والأئمة (ع) والكتب السماوية والأديان والقرآن الكريم من أجل مقارعة الظالمين والناهبين والسارقين الذين عثوا في الأرض فساداً وظلماً وعدواناً، تلك هي سنة التطور الاجتماعي، فلا بد للمجتمع المتطور من أن ينقسم الناس فيه إلى فئتين: فئة محافظة وأخرى معارضة.
إنَّ كل داعية من دعاة الإصلاح لا بد أن يفرِّق بدعوته الجديدة جماعة الأمة، كي يجمعها من جديد على قاعدة جديدة ـ قانون جديد ـ نظام جديد ـ ولهذا وجدنا كل حركة اجتماعية في التاريخ بانية وهادمة في آنٍ واحد، فهي تهدم النظام القديم لكي تحل محله نظاماً جديداً أقرب إلى روح العدل مما مضى..

