«سي محمد» أمير الثقافة العربية و«أصيلة»

محمد بن عيسى

عندما تخرج الصداقة من رحم الشغف والإبداع والفكر  تتحول إلى فعل إنساني مقدس.

حدث هذا بيني وبين صديقي الحبيب معالي الوزير محمد بن عيسى الذي أستلم حقيبة الثقافة أولا، والسفارة في واشنطن ثانيا، ووزيراً للخارجية المغربية ثالثا، وأميرا للثقافة العربية اولا وأخيراً.

سي محمد هكذا كنت أناديه لأكثر من ربع قرن، ونحن من أعزّ الأحبة وأكبر عشاق للمعرفة التي كانت كفيلة لأن تزيل الألقاب، عرفت هذا الرجل وأنا أشق طريقي نحو هذا العالم المدهش عندما أوفدني سمو الأمير خالد الفيصل إلى المغرب 🇲🇦 لأسلم السيد بن عيسى رسالة تهنئة مرفقة بالشيك وهو قيمة الجائزة.

خرجت من مكتبه في الوزارة لنجلس في مقهى على ضفاف نهر أبي رقراق الذي يفصل الرباط عن سلا وطيور النوارس

تحوم في سماء تلك البلاد الصافية والغالية على قلبي، فتحنا حواراً قبل قرن ولم ينقطع إلا برحيل سي محمد

الذي أحمل له في وجداني كما يحمل له الكثير من المثقفين العرب والأجانب الأحترام والودّ الكبيرين، فهو الشغوف بالفنون والأداب العالمية.

موسم أصيلة الذي أسسه عام ١٩٧٨ كان ملتقى للأدب والموسيقى والفنون للعالم أجمع، للأمريكيتين وأفريقيا وأوروبا والعالم العربي.

نحو ٤٦ عاماً عمر الموسم و٨٨ عاماً عمر سي محمد عندما رحل قبل ايام،  هو تراكم سنين طويلة ومواسم مديدة.. ماذا علي أن أكتب في مقالة عن السيد بن عيسى؟

سيرة الرجل لوحدها طبقات وسيرة مدينة أصيلة حكاياها لاتنتهي.

إقرأ أيضا: أصيلة.. أسطورة محمد بن عيسى ومثواه

سأورد بعض مما أود أن أقوله في حق هذا الرجل الاستثنائي الوسيم إلى أن رحل لم ينل منه العمر، ولم تحنِ ظهره الشيخوخة، محبا للحياة مبتسما هادئا لا يستكين في مكان فقد حملته الطائرات إلى كل جهات الأرض، سألته ذات يوم

ماذا رأيت من بلاد الله الواسعه.

هل تذكر عدد المدن قال لي بالحرف رأيت كل بلاده ماعدا الاماكن التي لم يكن للبشر فيها تواجد كالصحاري والقطبين.

إنه الشغف ياعزيزي معرفة الأرض تساوي معرفة البشر وهكذا ندخل للحضارات ونتعلم .منها العادات التقاليد اللغات الموسيقى، هذه الأجوبة درس بليغ من رجل خبر أروقة الديبلوماسية والسياسة

وتعلم منها الكثير.

لمن لايعرف خفايا هذه الشخصية الأسرة أنه يمتلك صوتا رخيما، يغني عبد الوهاب وفريد الاطرش وكل اساطين الطرب،

يعزف اللحن صوتيا عبر الصفير الذي يذكرني بطير أم سالم عند بدايات الربيع

ويحمل في صدره روح طفل.

حتى عندما ألتقيته أخر مرة في مدينته الساحرة أصيلة، كان يملك وجه طفل وقلب طفل بجسد شيخ تمكنت منه السنون لكنه لم يغادر طفولته أبدا يتجول

في أصيله ونتبعه من القصبة مرورا بحديقة صديقه الشاعر الإفريقي تشكايا أوتسامي أحد رموز الشعر الإفريقي الذي بقي وفيا لأصيله وخلد أسمه بحديقة

بعد رحيله. نصل ملتقى الحسن الثاني نشرب القهوة يمر علينا فردا فردا،

ثم يصفق بيديه معلنا بداية الجلسة، وهنا نبدأ نرى صبر بن عيسى

الذي لايترك ندوة إلا ويحضرها ويناقش بها كمستمع إذا لم يكن على رأسها، منذ

أن كان الموسم يمتد لشهرين إلى أن تقلص لأسبوعين ي أوائل الخريف الذي يشبه أعمارنا.

أهتمام الرجل بموسمه الثقافي كما هو من سنته الأولى إلى مابعد

الخامسة والأربعين. كل ما ختم موسم نسأله تعبت؟ فيجيب سأفكر لكن وبسرعة وهمه عالية يبدأ بوضع عناوين جديدة لموسم جديد يحمل افكارا وأحلاما.

تتغير الوجوه حول الرجل كل عام تأتي وجوه وتغيب أخرى، ويبقى ديدن بن عيسى الوفاء، فقد خلد أسماء كبار أصدقاء الموسم .الذين رحلوا على حدائق المدينة فمن يتجول بأصيلة سيمر من أمام حديقة الطيب صالح وبلند الحيدري .و محمد عابد الجابري .

وغيرهم من الأدباء والمفكرين وكما زينت الحدائق أجزاء من أصيلة كذلك رسمت اللوحات على جدران المدينة.

من يمر على أصيلة سيندهش من جمال تلك الجداريات المذهلة.

وتوج كل هذا الجمال قبر بن عيسى الذي، ستظل روحه الأنيقة والوثابة ترفرف في سماء هذه المدينة مع صوت نوارسها

عند الغروب، عندما  يعانق بياض جدرانها زرقة الأطلسي وزرقة سمائه في لوحة لم يبدع الخالق مثلها في أي بلد

نعم لهذه المدينة شكل وروح ونخيل وطيور نوارس ومرسى للصيادين وشفق غسق لايشبه أي ذائقة عمرانية وروحية مثل باقي المدن.

ولأنك في عليائك تحب الشعر

أهديك بعض من جواهر الجواهري

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ

أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ

قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا

عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا

وداعا ياصديق العمر الجميل

إلى أن نلتقي في مكان ما وإلى

ذلك الوقت

نشتاقك ونشتاق أصيلة

كما أردت أن تكتب عنها

أصيلة مذاق الصبر والسكينة

السابق
توغل إسرائيلي بريف القنيطرة السوري للمرة الثالثة خلال 24 ساعة
التالي
بالصورة: طعنه في قلبه حتى الموت.. جريمة مروعة تهزّ مدينة صيدا!