جرت تطورات كثيرة وكبيرة على مستوى لبنان والمنطقة كنتيجة مباشرة لتطورات الميدان الذي لطالما كان محور الممانعة يقول – وهذه المرة كان صادقاً – بأن الكلمة له، فالميدان للأسف أفرز نكبة إنسانية وإقتصادية وإجتماعية سواء على المستوى الوطني العام تمثلت بالدمار والخسائر التي طالت البنية التحتية وحياة وبيوت ومصالح المواطنين، أو على المستوى الحزبي العسكري والسياسي لحزب الله الذي تلقى ضربات قاسية جداً وخسائر في عتاده وجهازه العسكري وإن كانت غير قاتلة، كما على مستوى القيادة السياسية التاريخية المتمثلة بغياب قائده السيد حسن نصر الله بما يمثله من رمزية شيعية لبنانية وكذلك عربية وإسلامية في مجال الصراع مع إسرائيل .
مسار 1701 السياسي
جاء وقف إطلاق النار بعد حوالي شهرين من الحرب اليومية بناء لوساطة أميركية طلبها لبنان – كي لا نقول إستجداها – وقادها المبعوث الرئاسي السابق آموس هوكستين، فاوض خلالها بالنيابة عن لبنان رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتعاون مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وبغطاء طبعاً وموافقة حزب الله الذي أعلن صراحة موافقته على بنوده المتمثلة بتنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته وأولها الإنسحاب من جنوب الليطاني، على أن ينتشر الجيش اللبناني بمساعدة قوات ” اليونيفيل ” في المنطقة بغضون 60 يوماً تنسحب خلالها القوات الغازية من الأراضي التي إحتلتها، وهو ما يمثِّل واقعياً هزيمة قاسية لحزب الله الذي كان يرفض بشكل قاطع أي تنفيذ لهذا القرار منذ العام 2006، وذلك بعد إنهيار منظومة الردع وثبات عقمها وعدم فعاليتها بعد الضربات التي تلقتها، كما السقوط المدوي لقواعد الإشتباك التي ظل معمولاً بها طوال 18 عاما فكيف تعامل ويتعامل حزب الله مع هذا الواقع الجديد ؟
لا يخفى على أحد بأنه تبين لاحقاً بأن الإتفاق لا يقتصر فقط على الترتيبات العسكرية، بل كان هناك مساراً سياسياً موازياً المطلوب من لبنان أن يسير به لإعادة تشكيل السلطة السياسية في البلد، فكان أن حدَّد رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتوازي مع وقف إطلاق النار، جلسة لإنتخاب رئيس الجمهورية في التاسع من كانون الثاني 2025، وما بين وقف النار في 27 تشرين الثاني ” نوفمبر ” وموعد جلسة الإنتخاب، كانت التطورات في سوريا تتسارع بحيث سقط نظام بشار الأسد بشكل مفاجئ لم يكن يتوقعه أحد وهو ما أعطى مؤشراً على أن الهزيمة لم تطل فقط حزب الله بل طالت كافة دول محور الممانعة، لا بل أثبتت الوقائع بأن عماد هذا المحور الحقيقي والوحيد كان هو حزب الله في لبنان وحده لا شريك له .
تبين لاحقاً بأن الإتفاق لا يقتصر فقط على الترتيبات العسكرية، بل كان هناك مساراً سياسياً موازياً المطلوب من لبنان أن يسير به لإعادة تشكيل السلطة السياسية في البلد ،
في التاسع من كانون الثاني بدا واضحاً بأن الكفة الدولية تميل لصالح إنتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وهو ما بدا واضحاً مع تدرج مواقف الكتل النيابية المختلفة المؤيدة له بعد وصول ” كلمة السر ” كما يبدو، في الدورة الأولى من جلسة الإنتخاب حافظ ” الثنائي الشيعي ” على تمايزه عن بقية الكتل التي صوتت بغالبيتها للعماد عون من دون أن تستطيع جمع ثلثي الأصوات المطلوبة، فكانت الدورة الثانية التي صب الثنائي أصواته فيها لصالح عون في إشارة منه بأنه كان الطرف المرجِّح للإنتخاب مع الحديث عن ” تفاهمات ” مع الرئيس المنتخب على شكل الحكومة وغيرها، وهو ما أثار إشكالات مع بدء الرئيس الجديد للإستشارات النيابية الملزمة لتسمية مرشح لرئاسة الحكومة ومن هنا بدأت ” المشاغبة السياسية ” من قِبَل حزب الله – إذا صح التعبير -، عندما طلب تأجيل موعده مع رئيس الجمهورية بعدما بدا بأن مرشحه للمنصب وشريكه في إتفاق وقف إطلاق النار نجيب ميقاتي قد خسر المعركة أمام نواف سلام، فبدأ الحديث عن طعن بالظهر و” خيانة “، وهو ما أستكمل بعدها بمقاطعة إستشارات رئيس الحكومة المكلف غير الملزمة في المجلس النيابي .
فوقية حزب الله
وهكذا بدا واضحاً بأن حزب الله ليس مهيأً بعد أو هو ليس في وارد إجراء أي مراجعة لمواقفه السابقة أقله في تعامله مع الأطراف السياسية الأخرى بالبلد، بل يصر على ما يشبه الهروب إلى الأمام عبر الإستمرار في ممارساته التي تتسم بالفوقية وعدم الخضوع للعبة الديمقراطية والدستورية، وهو ما تجلى بعدها أمنياً في مناسبات مختلفة أولها التحركات والشعارات – شيعة شيعة – التي أطلقت أمام مكتب جرائم المعلوماتية إعتراضاً على توقيف ناشطات ، وثانيها ” غزوة ” بيروت بالموتوسيكلات مع ترديد نفس الشعارات المقيتة والتجاوزات بحق الآمنين، وذلك في أعقاب تمديد موعد سحب القوات الإسرائيلية من الجنوب وسقوط 26 شهيداً جراء تلطي الحزب وراء الناس وإستغلاله تعطشها للوصول بالقوة إلى أرضها ، فكانت ردة فعله ضد الناس أيضاً في المناطق الأخرى، وثالثها هو ما جرى مؤخراً على طريق المطار رفضاً لقرار منع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي بعد تهديدات صهيونية تعكس حجم الهزيمة التي تعرضنا لها في لبنان، وهي تحركات لا يمكن أن تُفسَّر إلا أنها محاولة لضرب هيبة العهد الجديد وحكومته وهز الثقة بهما وإضعاف الزخم الداخلي والدولي الذي حظيا به منذ وصولهما إلى السلطة، خاصة وأن منع طائرة إيرانية من الهبوط كان قد أتخذ سابقاً في عهد الحكومة السابقة وبقرار من وزير حزب الله فيها، فما عدا مما بدا كما يقال حتى تنقلب الصورة بشكل أوحى وكأن هناك صراع أجنحة داخل الحزب ، مع العلم بأن كل ما يجري هو نتيجة سوء تقدير سياسات حزب الله التي باتت بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة ومحاسبة ليتبين الخيط الأبيض من الأسود في كل ما جرى ويجري .
فما عدا مما بدا كما يقال حتى تنقلب الصورة بشكل أوحى وكأن هناك صراع أجنحة داخل الحزب ، مع العلم بأن كل ما يجري هو نتيجة سوء تقدير سياسات حزب الله
اليوم وبعد أن تم تشييع السيدين الشهيدين، بات من الضروري أن يحسم الحزب مواقفه وخطواته، فأما يستمر في نهجه وخطابه الإستفزازي ويتحمَّل ويحمِّل البلد تبعات هذه المواقف، وأما يدخل مرحلة جديدة بعد مراجعة سياساته السابقة تتفق والخطاب الذي ألقاه الشيخ نعيم قاسم الذي إحتوى على بعض الإيجابيات خاصة الحديث عن أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه والإستعداد للتعاون مع الدولة تحت سقف إتفاق الطائف وغيرها من الإيجابيات ، لكن العبرة تبقى في التنفيذ والممارسات والتطبيق الذي يحمل ترجمة لهذه المواقف، وهو ما ستكشف عنه ربما التطورات المقبلة.
فهل ” يلبنن ” الشيخ نعيم الحزب وهل ينجح ؟

