مع وضع العدوان الإسرائيلي على غزة أوزاره، نشرت وسائل إعلام في الكيان العبري، أسماء الرهائن الإسرائيليين الـ33 المقرر الإفراج عنهم، من دون ذكر الأحياء منهم والموتى. وتنص المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار على انسحاب جيش الاحتلال من داخل أراضي قطاع غزة، وبقاء قواته مؤقتًا على بُعد 700 متر عن حدود الغلاف، باستثناء أربع نقاط سيكون مدى التوغل الإسرائيلي فيها 110 أمتار، وعلى انسحاب الفرقة 99 تدريجيًّا من محور نتساريم، وإيلاء مسؤولية جنوب الغلاف إلى فرقتين فقط مدعومتين بخطة، لتعزيز منظومة الدفاع على طول حدود القطاع، فيما ستتولى الفرقة 162 مسؤولية شمال الغلاف. وتنص المرحلة كذلك على فتح معبر رفح، الذي تدور حول آلياته محادثات في القاهرة، بين وفدَي السلطة الفلسطينية وآخر إسرائيلي، استعدادًا لحركة عالية الكثافة تصل إلى 600 شاحنة مختلفة الحمولة يوميًّا.
الصراع بين السلطة الفلسطينية و”حركة حماس” يزداد وضوحًا عقب كل مواجهة للأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي، وحول مرحلة اليوم التالي للحرب والتساؤلات التي لا تزال قائمةً بشدة
ومن المقرر أن تبدأ في اليوم الـ16 من بدء المرحلة الأولى، المفاوضات بشأن تنفيذ المرحلة الثانية، المقرر أن تشمل إطلاق جميع الرهائن المتبقين، ووقف إطلاق النار الدائم، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة.
أما في المرحلة الثالثة، فتستعيد إسرائيل رفات رهائنها المتوفين، ويبدأ إعمار غزة بإشراف مصر وقطر والأمم المتحدة.
انقلاب حادٌّ في المفاهيم
واقع عربي مرير وخز نفوسنا طوال خمسة عشر شهرًا، ومزق ضمائرَنا بمَشهدَين صارخَي التناقض: في ضفةٍ حِممُ بارودٍ وحديد ونار تمزق اللحم الطري، وتقطع رؤوس الأطفال وتهدم الحجر وتحرق الشجر، وحصارٌ مطبِق أوقع بشهدائها الأحياء أشد المخمصات ضراوةً، وعلى مرمى حجر منها ضفةٌ أخرى، يقطنها شعب يمتلك اللغة نفسها، والتاريخ ذاته، والثقافة والعادات والتقاليد عينها، ولكن كأنّ لا إبادة ولا من يبادون إلى جوارها، تسودها حياة الغناء والسهر وتصوير التلذذ بالأطايب على الهواء بلا حرج، وتخصِّص وسائل إعلامها الساعات لمباريات “الكورة” والنزر اليسير لأخبار جريمة العصر، والأشد مضاضة من هذا كله إطلاقهم على الواقفين وراء هذه الجريمة تسمية “أولاد العمومة”.
اليوم التالي لعدوان غزة
الصراع بين السلطة الفلسطينية و”حركة حماس” يزداد وضوحًا عقب كل مواجهة للأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي، وحول مرحلة اليوم التالي للحرب والتساؤلات التي لا تزال قائمةً بشدة، حول الجهة التي ستتولى إدارة القطاع، افتتحت السلطة الفلسطينية “المشتبكة” مع مقاومي الضفة الغربية “بازارَ” استدراج العروض مبكرًا، فأعلنت في بيان صادر عن مكتب رئيسها محمود عباس أنها “مستعدة لتولي مسؤوليتها كاملة في قطاع غزة”، وأن طواقمها جاهزة للقيام بواجباتها “للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني، وإعادة النازحين، وتأمين الخدمات الأساسية، واستلام المعابر، وإعادة الإعمار”، واعتبر البيان دولة فلسطين “صاحبة الولاية القانونية والسياسية على القطاع والضفة الغربية والقدس”، كما ناشد المجتمع الدولي ودول الجوار والدول المانحة تقديم المساعدة العاجلة للحكومة الفلسطينية لتمكينها من القيام بواجباتها تجاه الشعب، ودعا إلى “عقد مؤتمر دولي لإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطين ذات العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود العام 1967”.
افتتحت السلطة الفلسطينية “المشتبكة” مع مقاومي الضفة الغربية “بازارَ” استدراج العروض مبكرًا، فأعلنت أنها “مستعدة لتولي مسؤوليتها كاملة في قطاع غزة”
حركة “فتح/السلطة” (والتسمية لتفريقها عن “فتح” عرفات رحمه الله) لم تتوان بدورها عن الإدلاء بدلوها، وقد صرح عضو المجلس الثوري فيها جمال نزال لـ”سكاي نيوز عربية” برفض السلطة أي ترتيبات لغزة من دونها، مشدِّدًا على ضرورة تنحّي حماس، لأن السلطة الفلسطينية “لم تعد مستعدة لتنظيف الفوضى التي تتركها بعد كل جولة من الصراعات”، وتمسك نزال بعبارة “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني”، التي تصف “الهيئة” التي مُنحت بداية للراحل عرفات بموجب اتفاقيات أوسلو قبل ثلاثة عقود، وأبقتها إسرائيل في ظله وظل خلفه عباس ذات سلطات محدودة جدًّا في الضفة الغربية، وأصبحت خارج قطاع غزة منذ 2007، معتبرًا أن “العالم لن يتعامل مع حكومة تقودها حماس”.
هل ستصيب “لعنة غزة” الأميركيين أيضًا كما جعلت جنود الجيش الإسرائيلي، نهبةً للاعتقال في دول العالم؟
ولكن… ألا ينفخ أبو مازن وحركته بوقهما في واد، بعد أن اتضح للقاصي والداني أن إسرائيل وحليفها الأميركي لم يعودا يقبلان بأي من “حماس” أو السلطة لإدارة القطاع، وفتحا الباب أمام خيارات أخرى، أحدُها يقضي بإدارة مؤقتة لممثلين فلسطينيين مع الأمم المتحدة، وكان طُرح من وزير خارجية الإدارة الأميركية المغادرة أنتوني بلينكن، الذي تحول ظهوره العلني في أيام حكمه الأخيرة “مَجلَبةً” لشتائم بعض الحاضرين وإهاناتهم، كالصحفي اليهودي ماكس بولمانتيل، الذي انفجر في وجه بلينكن خلال إيجاز صحافي، مستنكرًا سماح إدارته باستمرار حرب إبادة غزة، في وقت كانت مسودة الاتفاق موجودة لدى الرئيس بايدن منذ أيار الماضي، ومتهمًا بلينكن بالمساومة والقبول بالإبادة لأنه من اللوبي الصهيوني، وكذلك خلال كلمة لبلينكن في برنامج لمركز أبحاث المجلس الأطلسي في واشنطن، حين قاطعه ثلاثة محتجين تتاليًا بعبارات، “وزير الإبادة الجماعية” و”لن نسامحك”، و”لن ننسى”، و”أنت مؤيد للحرب” و”أنت وحش” و”وزير الإبادة الجماعية”.
إقرأ أيضا: «لا عزاء».. للشهداء «السعداء»!
جدير بالذكر في هذا المقام رفع “مركز الحقوق الدستورية” في الولايات المتحدة، نيابة عن منظمات فلسطينية وفلسطينيين في غزة ومواطنين أميركيين لديهم أقرباء في غزة، دعوى قضائية أمام محكمة فدرالية في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، ضد كل من الرئيس الأميركي جو بايدن ووزيري خارجيته بلينكن ودفاعه لويد أوستن، بتهمة تقديمهم دعمًا غير مشروط للإبادة الجماعية، بحسب وثيقة الاتهام، ومخالفاتهم المتكررة والطويلة موجبات وظائفهم بمنع الإبادة، وعدم استخدامهم نفوذهم لوضع حد للقصف الإسرائيلي للمدنيين العُزَّل، واستخدامهم الفيتو ضد مشاريع قرارات داعية لوقف النار في الأمم المتحدة برغم دعم أعضائها الساحق، وبرغم إرسال “المركز” إليهم في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2024 إحاطة طارئة تلفت انتباههم إلى أدلة قوية على الإبادة الإسرائيلية، فضلًا عن أنشطة للثلاثة تعزز العملية العسكرية، وحصار السكان ترقى إلى مستوى التواطؤ في الجريمة بموجب القانون الدولي.
إقرأ أيضا: الأونروا: 4 آلاف شاحنة محملة بالمساعدات جاهزة لدخول قطاع غزة
فهل ستصيب “لعنة غزة” الأميركيين أيضًا كما جعلت جنود الجيش الإسرائيلي، نهبةً للاعتقال في دول العالم؟ أغلب الظن أنْ نعم، عاجلًا أو في آجل الأيام، فإن مصير الظلم والقوة الغاشمة بلا شك قاتم، أما مدَّعو “أولاد عمومة” القاتل فإن “لعنة غزة” ستكون مزدوجة التأثير عليهم، مرة لادعائهم الكاذب، وأخرى لعماهم عن ابن عمهم الحقيقي.

