أعرف القليلين منهم، ففارق السن يجعل من معرفة آبائهم واجدادهم اكثر احتمالا. استمع لمن يعرف احدهم، فيشهد على حسن اخلاقه وهدوئه وتواضعه وحرصه على سرية انتمائه. لم يعرف أقرب جيرانه انتمائه الحزبي الا بعد استشهاده. لم يشاهد يوما حاملا اي سلاح، ولم يفاخر يوما بمقاومته أو إنجازاته.
بعضهم نال شهادة المحاماة في ذات الوقت مع شهادة الشهادة، وبعضهم استشهد قبل حصوله على شهادة تخرجه من الجامعة، او قبل عرسه بأيام او قبل فرحته بمولوده
هذه الشهادات تتكرر على مسمعي كلما استفسرت عن سيرة احد الشهداء، فيكبر في قلبي حجم لخسائر. ادقق في المعلومات التي اسمعها ومن مصادر مستقلة وموثوقة، فتؤكد ذات الخلاصات. انهم شهداء طيبون لطفاء ومتواضعون.
بعضهم نال شهادة المحاماة في ذات الوقت مع شهادة الشهادة، وبعضهم استشهد قبل حصوله على شهادة تخرجه من الجامعة، او قبل عرسه بأيام او قبل فرحته بمولوده. تنظر إلى صورهم في أوراق النعي، فتحار اذا كنت أمام صور شهداء ام ملائكة مشتركين في مباراة للجمال. الوسامة والرجولة والطيبة تحيط بك، وتملأ حواسك، فتذرف الدمع بصمت وسكون. نعم بكيت عدة مرات وليس مرة واحدة، على شهداء لا اعرفهم ولا حتى اعرف عائلاتهم .اتخيلهم وسيمين مبتسمين، بوجوه نظيفة احيانا ومغبرة احيانا أخرى، لكثرة ما حفروا في الخنادق والانفاق. تلك الإنفاق التي حمتهم لفترة او خذلتهم، بمساعدة خائن او بفضل مراقبة صارمة من العدو.
نعم بكيت عدة مرات وليس مرة واحدة، على شهداء لا اعرفهم ولا حتى اعرف عائلاتهم
لا تروق لي صفة “السعيد” التى تسبق اسم الشهيد. ربما هذه الصفة تريح وتخفف من ألم الفقدان عند الاهل والاحباب . أتصور ان صفة المظلوم تناسب معظم الشهداء، لانهم قاتلوا واستشهدوا في أصعب الظروف.
إقرأ أيضا: بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.. 8 شهداء و25 إصابة في قصف إسرائيلي على غزة
نعلم ان هناك معارك ضارية، حصلت في العديد من المواقع والقرى، ومن الظلم ان لا تسجل وتنشر. لم يكن القتال على الجبهات الامامية وحدها، ففي كل قرية كانت تدور مواجهات غير متكافئة. مواجهات بين نقاط المراقبة من أعالي المباني والجبال، ومجموعات من المقاتلين بأسلحتهم الفردية من جهة، والطيران الحربي والمسيرات من جهة أخرى. هؤلاء المقاتلون حموا خلفية رفاقهم في الجبهات الامامية، ومنعوا العدو من القيام بعمليات إنزال والتفاف على رفاقهم، واستشهد المئات منهم دون أن تعرف الناس دورهم، فبدوا وكأنهم استشهدوا بلا مبرر وهذا ظلم.
لا تروق لي صفة “السعيد” التى تسبق اسم الشهيد. ربما هذه الصفة تريح وتخفف من ألم الفقدان عند الاهل والاحباب
ويمكن ايراد العديد من المظالم ولكنني مشدود إلى إنصاف الشهداء، والى عدم إدخالهم في السجالات السياسية. انني مشدود لاحتضان كل شهيد بعيدا عن تقييم الحرب. انني مشدود إلى ضرورة أرشفة مجريات الحرب، انصافا للشهداء ولبطولاتهم رغم ظروفها الصعبة.
لم أتمكن من استيعاب قيام اهل العزاء بالتخفيف عن بعض المعزين هول المصاب، واعرابهم عن فرحتهم بتحقيق امنية ولدهم بالشهادة مع سرد تمنياته، باللحاق بقافلة الشهداء.
اذهب وانا ممتلىء بالحزن، للقيام بواجب العزاء لشهداء اعرف عائلاتهم، بوجه عابس فينتصب في وجهي صور الشهيد، ولكي تكتمل احزاني، ترافق صور الشهيد، صورة لاخيه وصور لابن عمه وابن خاله او رفيقه، وجميعهم شهداء مع سرديات ظروف كل استشهاد، فيزداد المي. وتتعاظم دهشتي، عندما أرى البسمة تعلو وجه امه وابيه، ويستكمل الحديث حول امور الحياة كأننا في عرس الشهيد.
إقرأ أيضا: بالصور: بعد تدميره بشكل كبير..سوق مؤقت في النبطيه بتمويل من المرجعية الشيعية في النجف وخيّرين
لم أتمكن من استيعاب قيام اهل العزاء بالتخفيف عن بعض المعزين هول المصاب، واعرابهم عن فرحتهم بتحقيق امنية ولدهم بالشهادة مع سرد تمنياته، باللحاق بقافلة الشهداء. اعتقدت ان كل ذلك ما هو إلا ادعاء صلابة وايمان، وأن اهل العزاء ينتظرون انصرافنا حتى ينفجروا حزنا وأسى، ولكن تيقنت لاحقا ان ردة فعلهم صادقة وليس ادعاء. تيقنت من أقرباء لهم اثق بحكمهم، ومن رفيقتين كانتا معلمتين لبعض هؤلاء الشهداء وقامتا بواجب العزاء، وفوجئتا مثلي بردة فعل بعض اهالي الشهداء. ربما هذه طريقتهم لحماية انفسهم من الكآبة، ربما، طبقات الحزن، باتت اسمك من ان تتمكن من اختراق مسام جلودهم الرقيقة. ربما لدى علماء النفس تفسيرات لردود الفعل هذه، وعلى الأكيد لدى رجال الدين تفسيرات جاهزه. لجميع الشهداء الرحمة ولذويهم ومحبيهم العزاء والذكريات الطيبة.

