أما وقد إنتهت الإستشارات النيابية الملزمة، لتسمية رئيس حكومة العهد الأولى بإنجاز كبير للبنانيين، تمثَّل بإسقاط محاولة المنظومة السياسية الفاسدة والحاكمة، إعادة إنتاج نفسها عبر رمزها نجيب ميقاتي، وتكليف القاضي نواف سلام رئاسة الحكومة، كما أكَّدت المواكبة الدولية والعربية للوضع اللبناني وجديتها، كما كنا توقعنا في مقالتنا الاخيرة ، يمكن القول الآن بأن هناك فعلاً نَفَساً وممارسة جديدين في الحياة السياسية اللبنانية، تبدأ من رأس الهرم القيادي الذي يمثله الرئيس جوزاف عون، والتي تجلت في طريقة مقاربته وإدارته للإستشارات، التي تركت أطيب الأثر في نفوس الكثير من اللبنانيين، التواقين لإستعادة الدولة لهيبتها وحسن إنتظام عملها، والتي أبرزت كذلك عدة نقاط مضيئة ومؤشرات، على الأمل بالمقبل من الأيام، مع ملاحظة ظهرت على هامشها.
اليوم يمكن القول – من دون إفراط في التفاؤل ربما – بأن لبنان بدأ خطوة الألف ميل، نحو العودة إلى كنف الدولة الطبيعية، كغيره من الدول
النقطة الأولى، هي رفض الرئيس جوزاف عون، محاولات بعض النواب مخالفة الدستور و “تجيير” أصواتهم له، سواء عن حسن نية أو سوئها، وإصراره على أن هذا الحق والدور، منوط بالنائب للتعبير عن رأيه وتحمُّل مسؤولية قراره، وهذه ممارسة رجل دولة يحترم نفسه ودستور بلده وشعبه، خاصة وأنه كان هناك سابقة مماثلة، حدثت في بداية عهد الرئيس الأسبق إميل لحود، وتسببت يومها بما تسببت به من إضرار بصورة الرئيس ومصلحة البلد والناس فيما بعد، وهذه الممارسة اليوم تُحسب للرئيس عون، وتبعث الطمأنينة في نفوس اللبنانيين العاديين، الذين أرهقتهم الممارسات الفوقية وغير الدستورية، بحيث باتوا يشعرون بأنهم مهمشين، وأن لا رأي لهم في إدارة وطنهم وتقرير مصيرهم.
يمكن القول الآن بأن هناك فعلاً نَفَساً وممارسة جديدين في الحياة السياسية اللبنانية
النقطة الثانية، هي أيضاً رفض الرئيس عون محاولة البعض تكريس سابقة جديدة في الحياة السياسية، وهي أن تطلب إحدى الكتل، وهي هنا “كتلة الوفاء للمقاومة ” – في سقطة غير مبررة – تأجيل الموعد الذي حُدِّد لها للإستشارة، وهو رفض عكس إحترام الرئيس، وإلتزامه الصارم بالأعراف والتقاليد السياسية المتبعة، في مثل هذه الإستشارات، بحيث يكون الجميع سواسية أمام القانون، وإلا سيتحول الأمر إلى فوضى، وحفلة مجاملات لا تتلاءم وجدية المناسبة، وأهميتها بالنسبة للوطن والناس.
متى إعتمدت المعارضة السياسية التخطيط السليم، إبتداءً من الوحدة بين جميع مكوناتها، فإنها ستحقق أهدافها لا محالة
النقطة الثالثة، هي في التأكيد بأنه متى إعتمدت المعارضة السياسية التخطيط السليم، إبتداءً من الوحدة بين جميع مكوناتها والحوار البناء والمنطقي والموضوعي، مع الفهم الكامل والتعامل بجدية، مع المعطيات السياسية الإقليمية المحيطة، فإنها ستحقق أهدافها لا محالة، حتى ولو لم تكن أغلبية في البداية، إلا أنها بتماسكها وتصميمها، قد تدفع الفريق الآخر إلى الإصطفاف معها، متى كانت الأجواء والظروف مناسبة.
إقرأ أيضا: من هو نواف سلام.. إسم ودور عالمي فرض نفسه خمس مرات في بورصة رئاسة الحكومة
أما الملاحظة، فهي للأسف، هذا الخروج السياسي “المذل” الذي إنتهى إليه الرئيس نجيب ميقاتي، بخروجه مكسوراً من المنافسة خصوصاً من حلفائه المقربين، هذه النهاية التي قد تصلح لتكون درساً للسياسيين، الذين لا يصغون لنبض الناس، ويستمرون ويستمرأون البقاء في السلطة، متلطين وراء مقولة المصلحة الوطنية، وخدمة الوطن “إذا إقتضت الضرورة”، وكأن الوطن عاقراً إلا من أمثالهم، لينتهي بهم المطاف غرباء منبوذين وكأنهم غير موجودين على الساحة، بعد أن أدوا مهمتهم في خدمة أصحاب الأجندات السياسية، بدل العمل لمصلحة المواطن، بحيث إستنكف حلفاؤه حتى عن تسميته، بعد أن ظهر بأن خصمه سائر نحو الفوز، فحرموه أصواتهم مستكثرين عليه الحفاظ على ماء الوجه، ليخرج من السباق ب 9 أصوات فقط، وما ذلك، إلا لأن الحلفاء، يريدون حفظ خط الرجعة مع العهد الجديد والرئيس المكلَّف، في إعادة ربما لسيناريو “الساعتين” في جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية، والتي نُسج حولها الكثير من الأخبار، في محاولة لتصويرها بأنها “إنتصار” على الآخر في الوطن، في محاولة لتعويض خسارتهم أمام الخارج للأسف الشديد، ليكون ضحية هذه الألاعيب، هو الرئيس ميقاتي، الذي أخطأ بقبوله عرض التجديد له في السلطة، في حين كان من الأجدى له الإنسحاب بعد ثلاث حكومات قادها في السنوات ال20 الأخيرة، وآخرها هي الحالية التي إستمرت لأكثر من ثلاث سنوات، ما بين حكومة كاملة المواصفات وحكومة تصريف أعمال، فما الذي كان يمكن أن يعطيه بعد كل هذه التجارب، خاصة وأن البلد يمر بظروف إستثنائية خطيرة على كل المستويات، يتحمل هو وحكوماته جزء لا يستهان به من المسؤولية عنها.
الخروج السياسي “المذل” الذي إنتهى إليه الرئيس نجيب ميقاتي، هذه النهاية التي قد تصلح لتكون درساً للسياسيين، الذين لا يصغون لنبض الناس
اليوم يمكن القول – من دون إفراط في التفاؤل ربما – بأن لبنان بدأ خطوة الألف ميل، نحو العودة إلى كنف الدولة الطبيعية، كغيره من الدول، ولكن بثمنٍ غال جداً يدفعه من سيادته، بعد حوالي نصف قرن من الحروب والصراعات، ما جعل منه ساحة لتصفية الحسابات بين دول الإقليم، عربها ويهودها وعجمها، ما كلفه الكثير من أرواح أبنائه أولاً، ومن ثم من أمنه إستقراره وإزدهاره الإقتصادي وتطوره الإجتماعي، بحيث تحول من دولة كانت تسمى “سويسرا الشرق” ، إلى شبه دولة منبوذة وغير طبيعية، لا في ظروفها ولا في بنيتها، هي إلى جهنم أقرب كما أطلق عليها آخر رؤساءها، وذلك نتيجة فشل غالبية طبقتها السياسية، ما أفقدها مناعتها وجعلها للأسف تحت الوصاية الدولية المباشرة، بحيث يتولى الخارج اليوم تنظيم شؤوننا وفق خارطة طريق، أفرزتها حرب ضروس، إستجرتها مغامرة غير محسوبة العواقب، فهل ستصل الخارطة إلى نهايتها المقررة ليعود لبنان بعدها بلداً مستقلاً ذل سيادة كغيره من بلدان العالم؟ نأمل ذلك ولو أننا بات ينطبق علينا المثل الشعبي القائل “من كثر ما الحليب لسعنا صرنا ننفخ ع اللبن”.

