على ضوء الدروس المستفادة.. تحديات الثورة السورية

فادي شامية

بعد انتصارها في 8/12/2024؛ تواجه الثورة السورية تحديات كبيرة؛ تجعل هدف إسقاط النظام -على صعوبته- أهون من هدف الحفاظ على مكتسبات الثورة والانتقال إلى دولة مدنية؛ يرضى عنها غالبية السوريين.

يجب أن تتشكل سلطة تحقق التمثيل السياسي للجميع

1- التحدي السياسي: هو التحدي الأول الذي تستند عليه التحديات الباقية. يجب أن تتشكل سلطة تحقق التمثيل السياسي للجميع، خصوصا الفئات والفصائل التي قدّمت للثورة. كما يجب إنتاج خطاب سياسي ناضج يلتف حوله السوريون، وتاليا كتابة دستور جديد وتطهير سوريا من الرواسب الفكرية للنظام القديم. وبقدر إلحاحية هذا التغيير؛ يتوجب الانتباه جيدا لئلا يشكل التمثيل الشامل؛ مدخلا لشخصيات ومجموعات ما تلبث أن تنقلب على الثورة – كما حدث في باقي دول “الربيع العربي”-. الدرس المستفاد أن التسامح شيء والسذاجة أو الغفلة عن الخطر شيء آخر.

يشمل التحدي الأمني؛ توحيد سوريا تحت سلطة واحدة، وبناء جيش جديد موحد

2- التحدي الأمني: شكّل انهيار النظام السريع وتبخر الجيش والأجهزة الأمنية؛ عبئا ثقيلا تلقاه الثوار عند دخولهم دمشق؛ وقد نجحوا في تخطيه؛ غير أن انتظام الحياة، لا سيما في العاصمة والمدن الكبرى؛ يحتاج بناء عسكريا وأمنيا كبيرا. الأمر يحتاج وقتا؛ لكنه ملح جدا، سيما أن أجزاء من سورية ما تزال بيد فصائل تختلف مع النظام القديم بقدر ما تختلف مع السلطة الجديدة؛ أهم هؤلاء تنظيم “قسد” المدعوم من “التحالف الدولي”. إضافة إلى ذلك فإن تشكيلات الثورة متنوعة؛ “هيئة تحرير الشام” ذات الثقل الأكبر، و”الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، و”جيش سوريا الحرة” في التنف المدعوم أمريكيا، وفصائل أحمد العودة في الجنوب، ومجموعات المصالحات السابقة، ومجموعات عشائرية ومناطقية مختلفة. يشمل التحدي الأمني؛ توحيد سوريا تحت سلطة واحدة، وبناء جيش جديد موحد، بعقيدة واضحة، وتشكيل أجهزة أمنية “في خدمة الشعب”، وضبط الحدود، ومتابعة مسار القضاء على داعش. لقد آلت الثورة الليبية إلى واقع مزرٍ بسبب تعدد رايات السلاح، وتاليا تناحر الفصائل واقتتالها، والدرس المستفاد أن ينضم الجميع إلى جيش واحد، يرث الفصائل كلها؛ ويكون هو السلاح الشرعي الوحيد.

ينبغي المسارعة في إشباع حاجات الناس، والاستفادة من دعم الدول الصديقة

3- التحدي الاقتصادي: تعيش الغالبية الساحقة من السوريين تحت خط الفقر. البلد مدمر، وبنيته التحتية متهالكة، والمواد الأساسية صعبة المنال، والشعب مشتت في أماكن النزوح والمهاجر. ستواجه السلطة الجديدة تحديات اقتصادية هائلة؛ إعادة الإعمار، تحسين الخدمات، تأمين المواد الأولية.. ويحتاج ذلك كله إلى استثمارات كبيرة لينجح، ودعم دولي.. وخبرات السوريين المشتتين في أنحاء العالم. تمثل تجربة إدلب مثالا مشجعا يمكن البناء عليه، إذ بات متوسط الدخل في هذه المدينة الصغيرة أعلى منه في العاصمة دمشق بأضعاف، فضلا التطور الكبير الذي لحق بالخدمات والبنى التحتية. دروس الثورات العربية السابقة تقول إن الناس ما تلبث أن تبدأ بمطالبات لا تنتهي؛ وكأنها خرجت من نعيم السلطة السابقة إلى جحيم الإدارة الجديدة، وبطبيعة الحال؛ ستعزف جهات خارجية -غير مرتاحة للتغيير في سوريا- كثيرا على هذا الوتر، لا سيما بعد سقوط جدار الخوف. لذا ينبغي المسارعة في إشباع حاجات الناس، والاستفادة من دعم الدول الصديقة، والاستثمار في الإعلام لإظهار التغييرات التي حصلت.

4- التحدي الدولي: تحتاج السلطة الجديدة إلى خطاب ناضج تتوجه به إلى الداخل والخارج. البدايات مشجعة، لكن حيازة السلطة الجديدة على الاعتراف الدولي للنهوض بسوريا، ورفع العقوبات عنها؛ يحتاج جهدا أكبر. الإشكالية أن “هيئة تحرير الشام مصنفة منظمة إرهابية. الأمر نفسه يسري على زعيمها. صحيح أن “الهيئة” تغيّرت، وأن أحمد الشرع اليوم ليس نفسه أبو محمد الجولاني بالأمس، لكن المسار ما زال طويلاً، والعيون مفتّحة، وثمة أنظمة دعمت النظام السابق أو حيّدت نفسها عنه؛ تشعر بالقلق.. وهي لن تهدأ قبل أن تتشكل سلطة وفقا لمصالحها. الدروس المستفادة تدفع باتجاه بناء تحالفات متينة وسريعة مع الدول التي دعمت الثورة، وعلى رأسها تركيا وقطر، من أجل طمأنة الأنظمة المتوجسة من جهة، وحماية السلطة الجديدة من جهة أخرى.

الدروس المستفادة من الثورات العربية السابقة تحتّم ضرورة التبصر والحسم السريع.

5- الثورة المضادة: الثورة السوية ثورة شاملة؛ غيّرت كل شيء، وهي بذلك تختلف عن أقرانها في دول “الربيع العربي” – مع وجود مشابهة للثورة الليبية جزئيا -. التاريخ يقول إن انتصار هذه الثورات لا يترك مجالا لعودة العهد الساقط. وفي سوريا -على وجه التحديد- الأمر منته. وقد أظهرت الأحداث أن الرئيس الفار لا يحوز أرضاً سورية، ولا يحظى بتأييدٍ شعبي، ولا يملك جيشا أو بقايا جيش، كما أن ركني نظامه؛ السجون (سطوة الخوف) والكبتاغون (التمويل الذاتي) قد سقطا معه.. لكن فناء آل الأسد في سوريا لا يعني أن الثورة السورية بمنجاة عن ثورة مضادة؛ تأخذ لبوس المطالب الشعبية، أو مواجهة الأحادية، أو رفض “أسلمة الدولة والمجتمع”.. أو أي مسمى آخر؛ بحيث تُجهَض الثورة وتحل الفوضى. الدروس المستفادة من الثورات العربية السابقة تحتّم ضرورة التبصر والحسم السريع.

مقابل هذه التحديات؛ يزخر التغيير في سوريا بعوامل منعة؛ أهمها السوريون أنفسهم، وهم حريصون على نجاح ثورتهم مقدار حرصهم على الحياة، بعد الذي ذاقوه على مدى عقود.. عودتهم إلى الوراء هي الحد الفاصل بين الموت والحياة.

ثمة دول راهنت على الثورة وربحت معها، وهي بدورها لن تترك سوريا الجديدة.. كما أن عودة سوريا على الحضن العربي وبقاءها موحدة مصلحة إقليمية، بغض النظر عن إيديولوجيا الفريق الحاكم.. في نهاية المطاف لن يحك جلد السوريين إلا أظافرهم، ولن يحمي بلدهم إلا وعيهم وحرصهم على الأرض التي ستضمهم للأبد.

السابق
قاتل المسؤول «القواتي» لا يزال فاراً.. والادعاء على 6 من «جنود الرب»
التالي
رسمياً.. سويسرا تحظر «حزب الله»!